عبدالله حميدالدين فبراير 3rd, 2007
شرط الخروج من الأزمة الحضارية التي نعاني منها رؤية دينية عقلانية تجيب على أسئلة الإنسان الكبرى من جهة، ومن جهة أخرى يكون لها مشروع سياسي تعمل من خلاله على خلق الإطار الملائم لحياة كريمة على ضوء إجاباتها.
صبغتها الدينية ستوفر لها قيمة روحية عالية.
عقلانيتها ستقدم تفسيراً واقعياً للحياة بعيداً عن الخيالات والأوهام. إجاباتها ستبين للإنسان المسار الذي عليه أن يسير عليه، وستكشف له مقومات حركته، ومآله.
مشروعها السياسي سيحمي الإنسان من ظلم نفسه، ويحميها هي من استغلال الإنسان لها.
يحاول البعض أن يشيع عدم إمكانية التوافق بين الرؤية الدينية وبين الواقع، باعتبار أن موافقة الواقع مصدرها العقل، والرؤية الدينية مصدرها الروح، ولا يمكن أن يكون بينهما توافق، بل لكل منهما مجاله الخاص. إلا أن الأمر بخلاف ذلك. فالعقل يقدم لنا رؤية للواقع، ولكن لكي يكون لتلك الرؤية قيمة روحية فلا بد من احتضان الروح لها. إن الروح وعاء للمعرفة، وليس منشئاً لها. والمشكلة تأتي من اعتبارهما معاً مصدرين للمعرفة. مصدر هذا الرأي التيارات المسلمة وغير المسلمة التي ترى أن العقل لا يمكنه أن يعرف شيئاً عن ما وراء المادة. ويزداد زخم هذه التيارات كلما ضعف أداء العقل في مجالات الدين، فيتم اللجوء إلى اعتبار أن العقل ليس من شانه الحكم على الدين. إنها حماية سلبية للدين، ليس بتقديم الرأي المضاد، ولكن بنفي صلاحية تناول المسألة.
ترتكز الرؤية المقترحة على ركنين أساسيين أو أصلين كبيرين هما: الإيمان بالله ورسالاته واليوم والآخر من جهة، ووجوب إقامة دولة عادلة ترعى مصالح الناس ومعايشهم من جهة أخرى. وتستند إلى منهجية تؤمن بالعقل مصدراً أساسياً للمعرفة. وإن الله تعالى يثير العقل باتجاه استكشاف ما حوله عبر مجموعة من المثيرات أولها وأعلاها شاناً الأنبياء والرسل.
أبرز ما تطرحه الرؤية هي تبيين موقع الله في حياة الإنسان. هذا الأمر كان دوماً المعنى الثابت في جميع مطالب الأديان السماوية والرسالات الإلهية. بيان تلك القضية ((الله في حياة الإنسان)) هي جوهر الدين والرسالات السماوية. وهي ما يميز الدين عن المبادئ والفلسفات والمدارس الأخلاقية بأشكالها والرؤى الاجتماعية والسياسية بأنواعها. أي رؤية لا تنطلق من هذا الأمر، أو لا تجعل بيان الأمر من أمهات مقرراتها تفقد صبغتها الدينية. ببقاء قضية ((الله في حياة الإنسان)) يكون للدين معنى. ببقائه يكون، وبزواله يذهب. ما سوى هذه يعد من الأعراض التي إذا زالت لم يَزُلِ الدين. فالتشريعات تختلف من دين إلى دين. وأشكال العبادة تتنوع. ولكنها جميعاً تجيب على تلك القضية الجوهرية. جميعها تربط الإنسان بالله تعالى شأنه وعز سلطانه وجل جلاله.
وموقع الله في حياة الإنسان مما يدل عليه الدين، ويرشد إليه. بمعنى آخر إنه أمر لا يؤسسه؛ لأنه أمر يُعلم عقلاً، وكل ما يُعلم عقلاً فالدين يكون فيه دالاً ومقرراً، يأتي ليثير دفائن العقول باتجاه التفكير فيه واستكشافه، ولا يأتي ليؤسسه.
إننا ندرك بعقولنا أننا ((لله)). ندرك هذه الحقيقة، التي هي بحق أعمق حقيقة في وجودنا. حقيقة تحيط بنا من حين وجدنا. إن كينونتنا هي في أننا لله، وليس لنا أي كينونة مستقلة عنه تعالى. فنحن لسنا لله بمعنى أنه أوجدنا فملكنا فحسب، ليس بمعنى أن بيننا وبينه تعالى علاقة مملوكية، وإنما نحن لله، بمعنى أن وجودنا هو نفسه مملوكيتنا لله تعالى. وقد قرر الله تعالى هذه الحقيقة المدركة عقلاً بقوله تعالى على لسان عباده المؤمنين: ((إنَّا لله)).
وكما ندرك تلك الحقيقة، فإننا ندرك أننا إليه تعالى ((وإنَّا إليه راجعون)). إن المسيرة نحو الموت ليست إلا مسيرة إليه جل شأنه. نحن عائدون إليه. ولكنها ليست عودة حسية. ليست العودة إلى الله تعالى ذهاب إلى مكان، فالله تعالى يتعالى عن المكان. العودة إليه هي عودة إلى وعي حقيقتنا، حقيقة إنا لله. يرافق هذه المسيرة الاضطرارية أخرى اختيارية. مسيرة فكرية روحية. فنحن يمكننا أن ندرك هذه الحقيقة باختيارنا، قبل موتنا. وقد كشف الله هذه الحقيقة لنا بقوله: ((وإنا إليه راجعون))، وبقوله جل وعلا{يَاأَيُّهَا الإِنسَانُ إِنَّكَ كَادِحٌ إِلَى رَبِّكَ كَدْحًا فَمُلاَقِيهِ}[الانشقاق:6] ووصف طبيعة اللقاء وأثره: {فَكَشَفْنَا عَنْكَ غِطَاءَكَ فَبَصَرُكَ الْيَوْمَ حَدِيدٌ}[ق:22] {لِيُرَوْا أَعْمَالَهُمْ}[الزلزلة:6]. هذه الحقيقة الكلية، والتي تشملنا شئنا أم أبينا ، كفرنا أم آمنا،حقيقة: {إِنَّا لِلَّهِ وَإِنَّا إِلَيْهِ رَاجِعُونَ}[البقرة:156]، هي جوهر جميع الرسالات، وجميع الديانات السماوية. ولا بد لأي رؤية أن تعزز هذا المعنى، وتؤكده.
إن إدراك تلك الحقيقة ليس إلا خطوة تتبعها ضرورة خطوة أخرى هي أن نتمثَّل ما أدركناه من أفكار. إن معرفة “إنا لله وإنا إليه راجعون” ليست كغيرها من المعارف التي لا تتبعها مواقف عملية. فليس المطلوب صياغات وعبارات، وحفظاً في الكتب والصدور. فإذا كان جوهر الدين في الحقيقة الكبرى ((الله في حياة الإنسان)) فإن جوهر التدين هو في التمثل الإرادي لتلك الحقيقة. فنحن وإن كنَّا نسير إليها مسيراً وجودياً اضطرارياً، فإننا قادرون على أن نسير إليها في هذه الحياة مسيرة اختيار وذلك بعقلنا وإرادتنا الحرة التي ميزنا الله تعالى بها عن غيرنا.
التمثل فكري تارة، وسلوكي تارة أخرى.
فكري: بأن نعرف تلك الحقيقة، ونعيها. فنشهد لله تعالى بما شهد لنفسه، وبما شهد له ملائكته وأولو العلم به{شَهِدَ الله أَنَّهُ لاَ إِلَهَ إِلاَّ هُوَ وَالْمَلاَئِكَةُ وَأُوْلُوا الْعِلْمِ قَائِمًا بِالْقِسْطِ لاَ إِلَهَ إِلاَّ هُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ}[آل عمران:18] .فهو الإله الواحد الذي لا إله سواه، الذي له كل صفات الكمال والجلال ومنزه عن كل صفات النقص. وهو القائم في خلقه بالعدل. ونعي أننا راجعون إليه ومعنا كل ما تحملناه من متاع الحياة الدنيا لنرى تلك الأعمال بنفسها{لِيُرَوْا أَعْمَالَهُمْ}[الزلزلة:6]، ولكن نراها من وجهة أخرى، هي وجهتها الحقيقة{إِنَّ الَّذِينَ يَأْكـُـلُونَ أَمْوَالَ الْيَتَامَى ظُلْمًا إِنَّمَا يَأْكـُلُونَ فِي بُطُونِهِمْ نَاراً}[النساء:10] فأكل الأموال في الدنيا بغير حق صار ناراً في البطون يوم لقاء الأعمال.
سلوكي: بتمثل ألوهية الله تعالى فيما بيننا وبينه، وفيما بيننا وبين أنفسنا. فتمثل الألوهية فيما بيننا وبينه جل جلاله يكون أولاً بالإقرار والرضا عن تلك الحقيقة، وبحب الله جل وعلا، وبإخضاع إرادتنا له. هو إخضاع تلقائي، لا تكلف فيه، متى كان ناشئاً عن تمثل تام لتلك الألوهية، ولكنه في أوله إخضاع إرادي اختياري ناشئ من تقدير الإنسان بوجوب نحو ذلك الخضوع لمن كان على نحو تلك الصفات. ثم نتمثل عدل الله تعالى وقيامه بالقسط فيما بيننا وبينه لنطمئن في مسيرتنا إليه، ونركن إلى حسن مآلنا، وإلى عدالة من سيحكم أمرنا.
تـمثل تلك الحقيقة فيما بيننا وبين أنفسنا، أو بعبارة أخرى انعكاس تلك الحقيقة على علاقاتنا الإنسانية، فبأن نقف أمام بعضنا البعض موقف الأنداد المتساوين وجوداً وإن تفاوتنا خِلقةً. فلا علو إلا للكمال المطلق، ولا كمال مطلق إلا الله تعالى. فلا يحق مطلقاً لأي إنسان أن يعلو على آخر بأي علو مهما كان صغيراً، كما لا يحق لأي إنسان أن يخضع لأي إنسان مهما كان. ويستثنى من ذلك ما أذن الله تعالى به، أو وجود مصلحة عامة من ذلك. بغير هذا يكون العلو والخضوع تعدياً على مقام الألوهية، وجريمة كبرى في حق الإنسانية. بل لا يحق نحو هذا العلو حتى على الأحياء الأخرى غير الإنسان بغير تلك الشروط. ولأن مثل هذا التعدي ممكن، ومحتمل؛ فإنه يجب على الإنسان أن يحمي نفسه، ويحمي حقه. هذه الحماية تعني وجود مشروع سياسي يخلق حياة عادلة بين الناس تحميهم من التعدي على بعض، وتمنعهم من تجاوز حقوق بعض. غياب المشروع السياسي يؤدي حتماً إلى غياب العدل بين الناس. مما يعني غياب التمثل السلوكي للدين على مستوى علاقة الإنسان بالإنسان. قد يبقى التمثل على مستوى علاقة الإنسان بالله، إلا أن هذا الأمر يؤدي إلى إفقاد العلاقة بالله تعالى كثيراً من معانيها لسببين: أ. إن غياب العدل يؤدي دوماً إلى إعادة صياغة علاقة الناس بالله تعالى وفق معادلة تُبقي الظلم قائماً، وفي بعض الأحوال تجعل من وجود لله سبباً له. ب. إن الله تعالى لغناه عن علاقة الناس به، يريد أن يكون لوجوده في حياتهم مصلحة لهم. فإن غابت تلك المصلحة، فإن قيمة علاقتهم به تضمحل. لذلك يمكن القول إن غياب العدل بمثابة غياب الله تعالى من وعي الناس وتفكيرهم. غياب العدل يعني غياب الدين. لذلك كان وجود العدل ضرورياً لبقاء الدين.
ما سبق يبين الرؤية بشكل مجمل. إنها رؤية عقلية تؤمن بأن العقل مصدر المعرفة، وأن الروح وعاء لها. رؤية تدعو إلى إحياء وجود الله في حياتنا. إحياء وعينا بعلاقتنا الوجودية به، وإحياء وعينا بمسيرتنا الاختيارية والاضطرارية إليه. وتجيب على الأسئلة الكبرى في حياتنا. والعمل على تفعيل أثرَيْ وجود الله: الأثر على علاقة الإنسان به، والأثر على علاقة الإنسان بالإنسان من خلال مشروع سياسي.
عبدالله حميدالدين فبراير 3rd, 2007
معلوم أن الفتوى ومنذ أن عرفها المسلمون لم تختص بالقضايا الفردية للمسلم من نحو قضايا الصلاة أو الزواج أو البيوع أو غيرها من القضايا التي يكون الافتاء فيها دعوة إلى تطبيق حكم دون آخر من فرد بذاته، بغير نظر إلى مواقف الأفراد الآخرين. لقد تجاوزت الفتوى تلك المساحة الفردية إلى مساحة القضايا الجماعية والتي مآلها مواقف مشتركة من المجتمع ككل أو الدولة، سواء كانت مواقف سياسية مثل الحكم بوجوب معاداة الكفار دولاً كانوا أو أفراداً، أو اقتصادية مثل وجوب مقاطعة البضائع التي ينتجها الاقتصاد الأمريكي؛ أو اجتماعية مثل حرمة العنصرية وأصالة المساواة بين البشر؛ أو فكرية مثل حرمة تبني المشاريع العلمانية وضرورة تبني الموقف الإسلامي في كل صغيرة وكبيرة في حياتنا. بل إن بعض الفتاوى تجاوز تأثيرها الزمن، حيث ذهب المفتي والمستفتي وبقيت الفتوى تفعل فعلها.
وقد شهد التاريخ العديد من الفتاوي التي كان لها أثر كبير على المسار العام للحياة في المجتمعات المسلمة. وفي تاريخنا المعاصر العديد من النماذج لتلك الفتاوي بدءا من فتوى التنباك الشهيرة لآية الله الشيرازي، إلى العشرات من الفتاوي التي تصدر يومياً هنا وهناك من أطراف متعددة في خلفياتها المذهبية، ومتباينة في مواقفها الاجتماعية والسياسية، ومتفاوتة في مكانتها ودرجة تأثيرها.
ولم يكن صدور تلك الفتاوي في ساحات خالية الأصداء، بل كان لكل فتوى صداها، وإن كان مدى تلك الأصداء يتفاوت بتفاوت مكانة المفتي وحالة المتلقين. فمن فتوى لا يعمل بها إلا بضعة أفراد إلى فتوى تعمل بها أمة بأكملها.
والملاحظ أن الفتوى لم يصل تأثيرها إلى حد استبدال واقع بآخر، بقدر ما كانت في هز الواقع القائم. مما يعني أن استثمارها باتجاه واقع جديد كان يتطلب وجود رؤية سابقة ومحددة للواقع المنشود، وجهة تعمل من أجله مستفيدة من الاهتزاز الذي يخلل ما هو قائم ويسمح بتفكيكه ثم استبداله.
وقطعاً لم يغب عن ذهنية القوى هذه السلطة الهائلة للفتوى. فعملت جميع القوى على استقطابها لصالحها، أو التصالح معها وعدم المواجهة وإياها. ولم تقتصر هذه المعاملة على القوى السياسية الاجتماعية، بل حتى الدولة، وإن كانت علمانية المظهر، كانت حريصة على علاقة إيجابية ـ استقطاب أو مصالحة ـ مع الفتوى.
وإذا لم يغب عن القوى السياسية هذا النفوذ للفتوى، فالأولى أنه لم يغب عن ذهن المفتين. وعليه كانت لهم مطالبات خاصة أو عامة تفاوتت بتفاوت آفاقهم السياسية والاجتماعية، ورؤيتهم للدور الذي عليهم القيام به، ولأصداء وتأثير فتاويهم على الجمهور.
وللفتوى وجهان أساسيان هما الفتوى كحكم شرعي، والفتوى كسلطة سياسية واجتماعية. ولكل وجه أبعاد مختلفة. فيمكن دراسة تاريخ الفتوى والاستفتاء، وشروط المفتي، ومنهجية صياغة الحكم الشرعي، وطريقة الافتاء فيه، وآلية الاستفتاء، وغير ذلك ضمن تناول الفتوى كحكم شرعي. كما يمكن دراسة تاريخ الفتاوى السياسية/الاجتماعية، وتأثيراتها المختلفة، والشخصيات التي كانت تتصدر نحو تلك الفتاوى، وغير ذلك ضمن دراسة الفتوى كسلطة سياسية واجتماعية.
ومن الأبعاد المهمة في دراسة الفتوى كسلطة سياسية/اجتماعية هي فهم البنية التي تتكون منها سلطة الفتوى السياسية. فلكل سلطة بنية مكونة من مجموعة من العناصر، وأي فهم لتلك السلطة، ولنوع التأثير المتوقع منها من حيث المدى والصدى لا بد أن يستند إلى معرفة تلك العناصر.
يوجد أكثر من عنصر ذي دور بارز وواضح على سلطة الفتوى، من ذلك:
1.مركزية الدين في الحياة: لا قيمة للفتوى لو لم يكن للدين مركزية في الحياة. فالفتوى في نهاية أمرها بيان لحكم الدين في قضية من القضايا. وهي تكسب قوتها الأساسية من سلطة الدين في أنفس المتلقين.
2.الأولوية في الدين: الحكم الشرعي أو المصالح العامة والعدل: الفتوى بيان لحكم شرعي، وبقدر ما يعتبر الناس أن تطبيق الدين إنما يكون بتطبيق الأحكام الشرعية بقدر ما يعتبرون أن الحفاظ على الدين سيعتمد على رعاية تلك الأحكام. وبالتالي تكون رعاية الفتوى جزء من رعاية الدين نفسه. في حين أنه لو افترض أن الأولوية الأساسية للدين هي خلق رؤية للحياة ورعاية مصالح الناس وتطبيق العدل في حياتهم مصالحهم. في تلك الحالة فإن تأثير الفتوى سيضعف.
3.مجال الفتوى: كلما كانت الفتوى مطلقة المجال لكل مناحي الحياة كلما كانت قوتها أكثر. فنحن نمنح لكل مطلق تأثير أكبر على نفوسنا مما نمنحه لمقيد التأثير. والاطلاق والتقييد للفتوى يتأثر بأمور منها مفهوم شمولية الإسلام وطبيعة العلاقة بين العقل وبين التشريع. فبقدر ما تعني الشمولية أن النصوص تناولت كل صغيرة وكبيرة وكل شاردة وواردة إما صراحة أو مضموناً بقدر ما يكون للفتوى سلطة حيث إن مجالها غير محدود بحد ولا محصور بأمر. في حين أنه لو افترضنا أن الشمولية هي شمولية رؤية وتوجه، وأنها لا تعني الشمول التفصيلي لكل مجالات الحياة، فإن هذا يعني العكس. وبقدر ما يكون للعقل مساحة في التشريع من خلال إدراك المصالح والمفاسد، بقدر ما يقل مجال الفتوى ويعطى للعقل مجاله.
4.دور العلماء: نفوذ الفتوى يعتمد على الدور الذي تمنحه البنية الاجتماعية المسلمة للعلماء. ومن الأدوار البارزة الممنوحة لهم هو أنهم رعاة الدين وحفظة الشريعة. هذه العلاقة بينهم وبين الدين تمنحهم تلقائياً دوراً قيادياً ويضفي على مواقفهم نوعاً من الهالة الروحية حتى لو لم يكن للموقف أي علاقة بالدين. دور آخر هو أنهم مبيني أحكام الله، وهذا الدور يكاد يكون حقاً حصرياً عليهم، مما يعطيهم سلطة روحية قوية من حيث شرعية كلامهم عن الله تعالى، وأيضاً سلطة حصرية من حيث أنهم دون من سواهم لهم ذلك الحق.
5.مشروعية الدولة: بقدر ما يكون للدولة مشروعية تامة في نفوس أبنائها، بقدر ما يضعف تأثير ونفوذ الفتوى، والعكس بالعكس، فبقدر ما تضعف مشروعية الدولة بقدر ما تزيد سلطة الفتوى. فالناس تحتاج إلى سلطة قانونية ذات مشروعية، وإذا لم تجدها في الدولة فإنها ستبحث خارجها. ومما يؤثر في هذا السياق أيضاً، العلاقة بين الدولة وبين الشريعة.فلو تخيلنا عالمين: أحدهما مسلوب الشرعية ولكن يملك القوة المادية، وثانيهما آخر تام الشرعية ولكن مسلوب القوة المادية. العالم الأول يتمثل في الدولة، والعالم الثاني ممثل في الشريعة. وكل منهما يحاول من خلال ما يملكه أن يأخذ من الآخر ما يفقده. وقد يكون هذا بأن تقترب الدولة من عالم الشريعة، وبالتالي تكسب لها مشروعية في أنفس الناس، وقد يكون بأن تقترب الشريعة من الدولة، وبذلك تفقد من مشروعيتها أو بعبارة أدق مشروعية القائمين عليها المقتربين للدولة.
هذه بعض العناصر التي يمكن اعتبارها مكونة لبنية سلطة الفتوى.
ويمكن أن نرجع كل من الأولوية في الدين، ومجال الفتوى، ودور العلماء إلى مكانة العقل في الحياة الدينية وفي التشريع. وذلك لأن إعطاء العقل مكانة أصلية يؤدي إلى القول بأصالة العدل والمصالح العامة وبتبعية القضايا التشريعية. أيضاً فإنه يعني أن النص الظني تابع للعقل وليس العكس، مما يعني أن ملكة فهم النصوص لن تعطي صاحبها الامتياز نفسه الذي كان يتمتع به في سياق تبعية العقل للنصوص، وهذا بالتالي سيغير من مفهومنا للعلماء من علماء نصوص إلى علماء عقليات. كما إن مجال الفتوى سيقل تلقائياً.
على أساس كل ما سبق يمكن أن نقول وفق تحليل أولي إن بنية سلطة الفتوى في المجتمع المسلم مكونة من ثلاثة عناصر أساسية هي:
مركزية الدين في الحياة + مكانة العقل + مشروعية الدولة
عبدالله حميدالدين فبراير 3rd, 2007
يقدم مفهوم التراث قضية بحد ذاته. تبدأ القضية من تعريف ما هو “تراث” إلى علاقته بهويتنا فإلى تأثيره على مشروعية مشاريعنا فإلى كيفية التعامل معه. وبين ذلك وذاك موضوعات متعددة، وهي جميعاً تتداخل وتتشعب كثيراً. وعبارة “التراث الإسلامي السياسي” نفسها تتطلب تحديداً لها، وتثير تساؤلات حول الموقف منها. تحديدها هنا هو أنها ما تجلى من الثقافة والتجربة السياسية للمسلمين من خلال أمرين: أولهما الكتابات التي كان يُنظر إليها في المجتمعات المسلمة مصادر أساسية للثقافة الدينية سواء أكانت مصادر أولية أم كانت مصادر متقدمة، وثانيهما الممارسة السياسية للمرجعيات الدينية في المجتمع المسلم.
الموقف من التراث يبدأ من تحديد أثر استلهامه على واقعنا السياسي اليوم وغداً.
من أوائل ما قد يثار عند تناول ذلك الأثر هي المفارقات المتعددة بين التراث الإسلامي السياسي وبين المشاريع السياسية التي يراد أن يكون لها وجود على الواقع الإسلامي اليوم. وفي مرحلة تحرص فيها “حركات الإسلام السياسي” على تأكيد التواصل التاريخي والامتداد الفكري بين مشاريعها المطروحة من جهة وبين تجربة الخلافة الراشدة ورؤية السلف الصالح للسياسة من جهة أخرى، في نحو هذه المرحلة تصبح تلك المفارقات مشكلة بحد ذاتها. وفي سياق الهجمة التي تتلقاها تلك المشاريع السياسية سواء من التيارات السلفية التي تتهمهم بتغريب الإسلام وتطويعه، أو من التيارات العلمانية التي تتهمهم بالانتهازية والنفاق السياسي، فإن تلك المفارقات تصبح مادة غنية لخصومهم.
لعل أبرز تلك المفارقات هو تضمن التراث الإسلامي السياسي لعنصر “تشريع الأمر الواقع”. فبقطع النظر عن مدى الفساد أو الظلم في قمة الهرم السياسي، فإن الواجب على كل مسلم هو القبول والخضوع والطاعة للقائمين بالأمر. وقد وُضعت لتأكيد هذا المعنى أحاديث نسبت إلى النبي صلى الله عليه وعلى آله، لعل أبرزها الحديث الذي يأمر فيه النبي بطاعة الحاكم ولو كان قلبه قلب شيطان، ولا يستن بالسنة ولا يهتدي بالهدى، ويضرب رعاياه، ويأخذ أموالهم. فقد أخرج مسلم في صحيحه(رقم الحديث: 1847) عن حذيفة بن اليمان (قلت يا رسول الله إنا كنا بشر فجاء الله بخير فنحن فيه فهل من وراء هذا الخير شر ؟ قال: نعم، قلت: هل من وراء ذلك الشر خير؟ قال نعم، قلت: فهل من وراء ذلك الخير شر؟ قال نعم، قلت: كيف؟ قال: يكون بعدي أئمة لا يهتدون بهدي ولا يستنون بسنتي وسيقوم فيهم رجال قلوبهم قلوب الشياطين في جثمان إنس قال قلت كيف أصنع يا رسول الله إن أدركت ذلك؟ قال: تسمع وتطع للأمير وإن ضرب ظهرك وأخذ مالك فاسمع وأطع).
ولما كان أهم عنصر في أي نظام سياسي هو ما يحدد من سلطات الحكام، ويقيِّد تصرفاتهم، ويقي من نزاوتهم، ويسمح بمحاسبتهم، فإننا بإزاء هذه المفاهيم نجد أنفسنا في معضلة. فمهما وُجد بعد هذا من قضايا مثالية إلا أنها تصبح كلها ذات غير جدوى، بل معاقة في حركتها في ظل فكرة تشرع للأمر الواقع، وتعتبره مهما كان شكله ممثلاً لإرادة الله تعالى ومحرماً تغييره من أصله. ولذلك صار الدور الأبرز للثقافة السياسية التراثية إضفاء الشرعية على من تَربعَ سُدَّةَ الحكم على أي صفة كان.
وهذه القضية التراثية تمتاز بكونها تتجاوز مجرد رأي ديني شائع بين المسلمين إلى قضية مرفوعة إلى النبي، مما يضاعف مشكلة التعامل معها.
تولد من عنصر “تشريع الأمر الواقع” جملة من القضايا الفكرية في الثقافة الدينية وجملة من الأمور الإجرائية في المجتمع المسلم، والتي تمثل بمجموعها مفارقات أخرى تواجه من يتعامل مع التراث السياسي.
أبرز القضايا الفكرية كان التقليل من شأن العدل ـ والسياسي منه خصوصاً ـ بحيث أصبح يعتبر من الثانويات وليس من الأوليات، بل التقليل من القيمة الدينية لشأن الأعمال التي فيها خدمة للمصالح العامة أمام الأعمال الفردية من صلاة وصيام ونحو ذلك. وأولوية العدل والمصالح العامة من أساسيات أي عمل يسعى لتأسيس واقع سياسي إيجابي أو الحفاظ عليه. ويتجلى ذلك التقليل من خلال وضع الإمامة وقضاياها في فروع الدين، في حين أن حجمها يتجاوز جميع القضايا التشريعية الأخرى، بل إن بين افتراض دور إيجابي للدين في الحياة وبين القول بأنه يشرع للخضوع للظلم تناقضاً واضحاً، مما يعني أن أمر إقامة وإدامة نظام حكم عادل يصبح في مكانة أصول الدين على أساس أن أصول الدين هي القضايا التي يرتكز عليها الدين في وجوده وفي استمرار فاعليته الإيجابية. والتقليل من شأن العدل أو من شأن خدمة المصالح العامة نتيجة طبيعية لفكرة تشريع الأمر الواقع.
ومن أبرز القضايا الإجرائية التي تمخضت هي فصل الواقع التشريعي عن الواقع السياسي. فقد نشأ التشريع الإسلامي وهو ـ مثله مثل أي تشريع ـ يريد أن تكون له سلطة عامة على جميع جوانب الحياة. ولكن التشريع نفسه قام بعزل سلطته عن الواقع السياسي، وأبقى صلاحيته ليمارسها في بقية جوانب الحياة. وقد أدى هذا إلى وجود سلطتين بإزاء بعضهما البعض، سلطة للدولة لا يحدها حد(إلا عدم إظهار الكفر)، وسلطة الشريعة والتي لا يمتد نفوذها إلا على الطرف الأضعف في البنية السياسية وهو المجتمع.
بإزاء هذه المفارقات يكون أمام الفرد أحد موقفين: إما اعتبار ما كان في التراث ذات مشروعية وبالتالي تُضعَّف مشروعية المطالب المعاصرة بحيث تتحول من مطالب ضرورية التحقيق، إلى التماسات تُستجدى. وإما رفض ذلك التراث وتجاوزه واعتبار أن ما ورد فيه خطأ وقع فيه أغلب المسلمين والآن آن أوان تصحيح ذلك الخطأ وذلك بالاستناد إلى فهم سليم للقرآن الكريم وللسنة النبوية المطهرة.
وبين الرموز الإسلامية المعاصرة سنجد كلا الموقفين ولكن ربما على استحياء منهما. فالموقف الأول الذي يقبل التراث السياسي الإسلامي لا يستطيع أن يكون جريئاً في قبوله له حيث إنه يقدم فكرة تتصادم كلية مع بديهيات أي مسلم نشأ اليوم في ظل خطاب حضارة معاصرة شددت على قيم العدل والحرية، وهي قيم تتناغم معها فطرة أي إنسان مهما كانت خلفيته الحضارية.
والموقف الثاني الذي يرفض التراث السياسي ذلك لا يمكنه أن يكون صريحاً في نسبة الخطأ جملة لـ”إجماع” علماء الأمة الإسلامية عبر مئات من السنين. إضافة إلى ذلك فإن الموقف الثاني لا يمكنه أن يقدم بديلاً بغير أن يتناول بالنقد الأسس المنهجية والفكرية التي استندت عليها الرؤية التراثية الإسلامية السياسية، وإلا فإن ما سيقدمه سيظهر وكأنه معزولٌ عزلة منهجية وفكرية عن ما حوله من الثقافة الإسلامية العامة. مما يضيف إلى عجزه عجزاً آخر. فلا هو قادر على التصريح برفضه للتراث، ولا هو قادر على نقد الأسس التي استند عليها ذلك التراث.
حالة الحياء تلك، جعلت جملة الخطاب السياسي الإسلامي المعاصر لرموزه يتسم بخليط من عدم التوافق مع الواقع، ومن تناقض مع أصوله. وخطاب مثل هذا يكون عديماً في الفاعلية ولا يمكن أن يُقبل على المستوى الاجتماعي العام.
في ظل هذا السياق من عدم الفاعلية، وفي مرحلة حرجة مثل ما نحن فيه، مرحلة يكون فيها الخطاب السياسي التغييري حاجة ملحة، نشأ خطابان خارج شريحة “الرموز الإسلامية” أولهما إسلامي سياسي يستند على التكفير، وثانيهما علماني سياسي يستند على عدم وجود مشروع سياسي للإسلام.
ولا يستغرب المرء من ذلك، بل يتوقع زيادة فيه. فمهما كان الخطاب الإسلامي غير قادر على توفير الحسم والوضوح من قضية تغيير الواقع الظالم فإننا سنجد من يرى الحل في تكفير الدولة أو المجتمع وبذلك يحل مشكلة تحريم الخروج على الظالم مهما أقام الصلاة أو لم يظهر الكفر البواح. وسنجد آخراً لا يمكنه قبول ذلك، فيقفز إلى طرف آخر من الحل وهو عدم شمول الإسلام لأي فكرة سياسية.
والحل لا يكون بمجرد تجاوز الرؤية السياسية التراثية كما حاول البعض، بل لا بد من تجاوز الرؤية التراثية للإسلام عموماً، والنظر إليه من منظار آخر، بحيث يمكن آنذاك صياغة رؤية سياسية تمنح العدل والمصالح العامة قيمة عليا، وتؤكد وجوب التغيير للأفضل، وتتسع لقبول الأشكال المتنوعة من الحكم، وفي الوقت نفسه متناغمة مع كل من متطلبات الفكر الديني الإسلامي من جهة، ومن جهة أخرى مع المرتكزات العقلية والأخلاقية الإنسانية.
عبدالله حميدالدين فبراير 3rd, 2007
كثير مما يُسمى اليوم تضامن إسلامي هو حالة من حالات ثلاثة:
1.أداة سياسية: يستعمل لتمييع المفهوم القومي العربي لكونه يهدد بعض الدول العربية، أو لكونه يقصي بعض الدول غير العربية.
2.جمعية خيرية: تستخدمه بعض الدول أو الجماعات لتقوية موقفها المطالب للدعم المالي من الدول الأغنى في العالم الإسلامي.
3.منبر للتعبير عن الذات: نقول فيه ما لم يمكن أن نحققه أو نعمله.
شواهد على هذه الحالات متعددة يعرفها كل متابع للمؤتمرات والندوات والقمم وغيرها.
أبرز أثر لهذه الحالة الثلاثية كان ضعف قيمة التضامن في النفوس والجماعات وانتهاء ـ أو تكاد ـ مصداقيته.
ولعل أخطر نتيجة لكل من الضعف والانتهاء هو أن كل فرد أو جماعة صارت تعمل وحدها وبوسائلها الخاصة بها بدون اعتبار للآثار السلبية التي يمكن أن تسببها هذه الوسيلة أو تلك على المجتمع أو الدولة أو الأمة. ومعروف أن الجماعة التي لا يعوِّل عليها الفرد في أخذ حقوقه أو انجاز مطالبه أو تحقيق أهدافه فلن تدخل في حسابات ربحه وخسارته.
في كل الأحوال فالتضامن الإسلامي أمر لا بد من السير نحوه، ولكن في الوقت نفسه لا بد لنا من أن نكون واضحين فيما نتجه إليه، وواقعيين في ما يمكن تحقيقه. ولتحقيق كلٍّ من الوضوح والواقعية لا بد من طرح مجموعة من الأسئلة حول قضايا أساسية من قضايا التضامن. من هذه الأسئلة:
1.مفهومنا التضامن (بالمعنى المطلق): فما هو التضامن؟ ومتى نقول عن اثنين أو أكثر إنهم متضامنون؟ وهنا لا نبجث إلا عن تحديد للمفهوم. وما الفرق بين التضامن وبين التعاون، أو التناصر وغيرها من المفاهيم التي استعملت لوصف حالات الفعل الجماعي سواء كانت بين المسلمين أو بين أي جماعة بشرية.
2.رؤيتنا للتضامن الإسلامي تحديداً: السؤال الأول يفتح لنا سؤالاً ثانياً وهو متى نقول إن العالم الإسلامي متضامن؟ أو بطريق آخر لو طُلب منا وصف عالم إسلامي متضامن، فما هو الذي سنذكره؟ والسؤال له شقان، الأول يتناول بُعد أو مستوى التضامن، والثاني يتناول عمقه وشكله. فإذا اعتبرنا أن القضايا التي نعاني منها متعددة الأبعاد أو المستويات منها السياسي، ومنها الاقتصادي، ومنها الاجتماعي، ومنها الثقافي، ومنها القانوني، وغير ذلك… فما هو منها الذي سيدخل ضمن رؤيتنا للتضامن؟ هل التضامن الإسلامي يعني أنها جميعاً فيها؟ أم بعضها؟ وكيف نتصور عمق وشكل التضامن بين ما يُدخل ضمن رؤيتنا؟
3.أسباب التضامن أو دوافعه: لماذا نتضامن؟ فالتضامن يتضمن تضحية مهما قل قدرها، فما هي الأسباب التي تسوغ هذه التضحية؟ وهل أسبابنا نابعة من هويتنا الإسلامية وواجبنا نحو الله تعالى وبالتالي تكون مطلقة وغير مقيدة بظروف الواقع وتحدياته ومصالح المرحلة ومتطلباتها؟ أم أنها أسباب تاريخية لا تنفك عن الواقع والمصالح مثل: الخطر المشترك والمشاكل المتشابهة والمصير الواحد؟
4.نتائج التضامن: وفي حال ما تكون الدوافع مطلقة، فما هي النتائج التي نتوقع حدوثها من التضامن؟
5.أهداف التضامن: وفي حال ما تكون الدوافع تاريخية فما هي القضايا التي نريد أن نعالجها تحديداً من خلال التضامن؟
6.خطاب التضامن: باعتبار تنوع أسباب التضامن، وبالتالي اختلاف تقييمه؛ ما هو الخطاب الملائم لكل سبب بحيث تتميز الخطابات عن بعضها البعض؟
7.عقبات التضامن: كيف نوازن بين سيادة الدولة وبين متطلبات التضامن؟ (هذا السؤال على افتراض أن التضامن يتطلب مساساً بالسيادة المطلقة.) كيف نوازن بين الرغبة بالتضامن وبين متطلبات الواقع الدولي؟ وفي حال أن التضامن ذات دوافع تاريخية، فهل يمكن القول إن التضامن يفقد قيمته إذا ما أمكن تحقيق الأهداف والمصالح بغير التضامن؟ بل بالخروج عنه أحياناً؟ هل يمكن للدول الإسلامية وأغلبها دول لا تملك قرارها ولا تستطيع أن تحافظ على أمنها أن تتضامن فعلاً أياً كان مستوى التضامن، وأياً كان عمقه؟ وهل يمكن للشعوب الإسلامية وهي بين مَن لا يملك قوت يومه، أو من لا يستطيع أن يقرأ حرفاً، أو من لا يحق له أن يعبر عن نفسه، فهل يمكن لتلك الشعوب أن تكون جادة في حديثها عن التضامن؟
8.أولويات التضامن: ما هي القضايا التي يجب أن تعالج قبل غيرها؟ وباعتبار تعدد مشاكل المسلمين، وتنوع ظروفهم، فكيف يمكن أن ترتب هذه الأولويات بحيث يتفاعل معها الجميع، سواء على مستوى الحكومات، أم على مستوى الدول؟ على سبيل المثال تُذكر القضية الفلسطينية باعتبارها قضية محورية من قضايا التضامن الإسلامي، ولكن هل هي كذلك بالنسبة لمن يَفقد كل ما يملكه سنوياً بسبب جفاف أو فيضان؟
9.أطراف التضامن: التضامن قد يكون بين الشعوب، كما يمكن أن يكون بين الدول. فكيف يؤثر أحدهما على الآخر؟
10.مراحل التضامن: كم هي المراحل التي يجب قطعها وصولاً للتضامن؟ وما هي معالم كل مرحلة؟
11.استراتيجية التضامن: كيف يمكن عمل استراتيجية مشتركة لتحقيق التضامن وتتعامل مع التنوع الموجود في الواقع؟ وكيف يمكن تحويل هذه الاستراتيجية إلى هَمٍّ عام، ومحور جدل جماهيري، وفي كل الفترات؟
هذه بعض الأسئلة التي لا بد منها. وبقدر ما نتفق على أهمية طرحها بقدر ما تبدأ في الظهور بعض مشاكل التضامن الحالية. فالمفهوم يُعالج إما بشكل عائم وغير محدد في بعض الخطابات بحيث يتسع لجميع المعاني والدلالات الممكن تصورها، وإما يُستخدم في سياقات لا يمكن مطلقاً أن تعبر ولو من بعيد عن أدنى دلالات التضامن، وإما يُستخدم بحيث ينطبق مع مفهوم التعاطف اللفظي، وإما يُطلق بحيث يقترب من مفهوم الوحدة سياسياً أو اقتصادياً في القرار، فيخرج من دلالته التعاونية إلى دلالة أخرى مركزية.
واضطراب مفهوم التضامن يؤدي حتماً إلى اضطرابٍ حول الرؤية التي نملكها عما هو تضامن. ولا بد من الانتباه إلى أنه لا نستطيع أن نعول على تجارب أخرى معاصرة أو تاريخية لرسم رؤيتنا لما هو تضامن. على سبيل المثال فالتاريخ الإسلامي خالٍ من مفهوم السيادة الوطنية، والسيادة أمر باقٍ لأمد بعيد سواء اتفقنا مع وجودها أم اختلفنا، كما إنها طرف جوهري في رسم أي رؤية لتضامن مستقبلي. أما عدم اعتماد التجارب المعاصرة نحو الأوروبية أو الأسيوية، فلخصوصيتها التاريخية والسياسية وأيضاً لاختلاف منطلقاتها ومرتكزاتها. ومهما اختلفنا حول دوافع التضامن أو أسبابه إلا أن الكل سيتفق على أنه ينطلق ويرتكز على الهوية الإسلامية المشتركة.
ولكن يمكن أن نستفيد كثيراً من التجارب الأخرى وخصوصاً الأوروبية في معرفة أن بعض الأحلام يمكن تحقيقها. فما الذي كان سيقوله لنا أي فرنسي أو أي ألماني عن العلاقة بين البلدين قبل 60 سنة؟ ولو قلنا لأحدهما أنه سيكون بين ألمانيا وفرنسا عُشر ما هو موجود اليوم من العلاقة والتعاون، فما كان سيُظن بنا وبين البلدين ما بينهما من الحروب والدماء؟
عبدالله حميدالدين فبراير 3rd, 2007
لا يقلل أحد من أهمية وإيجابية وجود التعدد الفكري الذي يعكس التنوع الموجود بين أفراد المجتمع وظروفهم.
يذهب البعض إلى أن تعدد المذاهب الإسلامية الفقهية والعقائدية كما هو اليوم يعكس حالة من تلك التعددية الفكرية الإيجابية بين المسلمين. وعليه فإن بقاء هذه الحالة أمر مرغوب ومحمود، وغاية الطموح والأمل هو التعايش السلمي بين أبناء تلك المذاهب، وتجاوز مظاهر التكفير والتفسيق والتضليل التي شتت المسلمين قروناً من الزمان مع الإبقاء على وجود المذاهب من حيث اسمها، ومن حيث مضمونها. فيبقى المنهج الفقهي الشافعي بإزاء الحنفي، ويبقى المنهج العقائدي الإثنا عشري بإزاء الأشعري، وتبقى التسميات المتعددة أيضاً.
إزاء هؤلاء هناك من يرى أن الوضع القائم اليوم يخالف المشروع، لأن الأصل الذي كان عليه السلف هو عدم وجود مدارس فكرية، ذات مناهج متميزة في فهم النصوص، واستنباط الأحكام، وبالتالي فلا بد من تجاوز هذه المذاهب جميعاً، والعودة إلى الينابيع الصافية من الكتاب والسنة. ما أذهب إليه يؤيد المذهبية فكرةً، ولكنه ينقدها ممارسةً.
إن التنوع المذهبي كما هو اليوم قد يعكس تعددية فكرية، ولكنه قطعاً لا يعكس تعددية فكرية تنطلق من واقع العصر وقضاياه، بقدر ما يعكس التعدد الذي نشأ قبل ما يقرب من 12 قرناً من الزمان. وبهذا الاعتبار، فإنها ليست حالة إيجابية، بقدر ما هي تأطير لتفكير المسلمين بأطر ثابتة وقارَّة صنعت لتعالج ظروفاً غير ظروفنا، وواقعاً غير واقعنا.
إن التعددية الإيجابية إنما تكون انعكاساً للتنوع الموجود في الفهم ووجهات النظر بين الناس، وأيضاً في الظروف التاريخية القائمة. أما ما هو موجود اليوم فتجميد للتنوع الذي وجد في مرحلة زمنية محددة هي مرحلة التأسيس للمذهب، وفي فهمٍ ووجهة نظر محددتين، هي تلك التي للمؤسسين للمذهب، ثم فرض ذلك القالب الزمني على جميع الأزمنة التي تلت، وقسر وجهة النظر تلك على كل العقول الذي أتت. إن استقرار المذاهب على ما هي عليه طوال 12 قرناً بالرغم من التغيرات الجذرية التي مرت بها المجتمعات الإسلامية، وبالرغم من ظهور عباقرة فاق بعضهم مؤسسي المذاهب في قدراتهم العلمية، وفي أدواتهم البحثية، لأمر جدير بالنظر.
إن التنوع الفكري له عوامل متعددة، بعضها يعود إلى عوامل فردية تتمثل في تميز عبقرية فكرية وتفرد جاذبية شخصية لدى عالم من العلماء. وأخرى إلى عوامل سياسية حيث يسعى أطراف في صراع سياسي إلى تسويغ مواقفهم المتنوعة بالاستناد إلى رؤى فكرية. وأخرى إلى عوامل اجتماعية حيث يكون اختلافها مدعاة لاختلاف الأوليات التي تبحث، أو الإجابات التي تقدم. وجميع هذه العوامل، وغيرها، تتسم بسمة أساسية وهي أنها متغيرة دوماً. وعليه فما كان منها سبباً للتنوع في مرحلة ما، قد زال، وتغير بحيث إن المفترض أن تكون قد ظهرت مدارس ومذاهب أخرى تعكس التنوع الجديد القائم. والحالة الطبيعية والصحية هو أن يستمر لذلك التغير في نشوء المذاهب بحيث لا يستقر الحال لأكثر من ثلاثة أجيال أو أربعة على الأكثر. ولا يعني هذا إلغاء الأفكار السابقة، وإنما النظر إليها لا بوصفها أفكاراً ننتمي إليها، وإنما بوصفها أفكاراً نستفيد منها في تأسيس الحالة الفكرية الملائمة مع تفكيرنا، ومع واقعنا.
ومع أن الغاية هي تجاوز المذهبية، إلا أن هذا الأمر لا يتأتى إلا من خلال التعرف عليها. وذلك لأنه لا يمكن لنا الانطلاق الصحيح إلى واقع جديد إلا من خلال فهم واقعنا الحالي. فالمستقبل يبدأ “الآن”، وما لم يكن لنا حاضر راسخ، وماض عريق، فلا مستقبل لنا. ففهم أطروحات المذاهب الإسلامية القائمة، والاطلاع على تاريخها، لا بد منه حتى في مرحلة مذاهب إسلامية حديثة باعتبار أنها تمثل اجتهادات وتجارب لا بد من الاستفادة منها. فالفكر عندما يتطور فإنه يستند إلى الأفكار التي سبقته، ولكنه يتجاوزها، أو يعيد صياغتها بما يلائم ظروفه التي يعيش بينها. وأي مدرسة فكرية ناشئة ستضع أمامها الاتجاهات السابقة لها، وسوف تختار منها ما يحقق شرطين أساسين:
* أن تكون تلك القضايا مما يعالج الواقع القائم إيجابياً.
* وثانيهما أن تكون أسسها الاستدلالية قوية. على ضوء ما سبق، فإنني أرى أن أي مشروع يعمل على إبقاء الحالة المذهبية كما هي عليه يعمل في اتجاه غير صحيح. سواء كان من حيث التركيز على أحقية مذهب واحد، أم من حيث التشديد على حق الاختلاف في المذاهب.
عبدالله حميدالدين فبراير 3rd, 2007
قراءة سير الصالحين عادة من العادات الحميدة التي حث عليها كتاب الله تعالى {فبهداهم اقتده} ففي سلوكهم برهان ساطع ودليل قاطع على أن ما جاء به الوحي من عظيم الوصايا وجليل الارشاد يمكن أن يتجسد في واقع البشر وفي حياة وسلوك الإنسان المجبول على الضعف والغفلة . وقد وضِعت في ذلك كتب كثيرة فصلت في صلاتهم وقيامهم وصيامهم وحجهم وبكائهم وخشيتهم لله تعالى وتصدقهم وزهدهم وتحريهم طاعة الله تعالى وحذرهم من معصيته وصبرهم على البلاء وشكرهم على النعم وغير ذلك من الأعمال. ونحن إذ نقرأ عن تلك الأعمال نطمح كثيراً أن نعمل مثل ما عملوا.
ومما يلاحظ هو أننا إذ نهتم بتلك الأعمال وتفاصيل كيفياتها ودقائق حيثياتها، فإننا نهمل إلى حد كبير النظر إلى طريقة التفكير لديهم، والتي هي الدافع الأساسي من وراء تلك الأعمال. وعليه فإننا نجد أن في أدبيات الوعظ والإرشاد وكتب السير والتراجم والطبقات الإكثار من ذكر المواقف والأعمال النبيلة والسامية والصعبة التي مارسها الصالحون على حساب التنبيه على الأسس المعرفية والفكرية التي تستند عليها تلك الأعمال .
ومعلوم أن العمل التام إنما يكون انعكاساً صادقاً وأميناً للقناعات الفكرية وبقدر ما يكون العمل كذلك بقدر ما نقول عنه: إنه عمل ذو معنى، بخلاف العمل الذي نقول عنه: إنه لا معنى له، وهو العمل الذي يخالف ظاهره باطنه، أو هو العمل التام في شكله ولكنه انعكاس لفكرة باهتة أو مشوشة. وهذا الأخير هو ما يعنينا هنا. فنحن إذ نقتدي بأعمال الصالحين دونما الاقتداء بأفكارهم نصدر أعمالاً قد تكون تامة في مظهرها، ولكنها ناقصة كثيراً في مضمونها، وهذا له آثار سلبية على الواقع الاجتماعي، وأكثر من ذلك على عملية التربية الروحية وتأسيس العلاقة العميقة بالله جل وعلا.
وقد عبر عن ما سبق، وأكثر، المصطفى صلوات الله عليه وعلى أهل بيته في قوله: ((إنما الأعمال بالنيات)).
وإضافة إلى كون الاقتداء بأفعال الصالحين بغير معرفة وقناعة بصحة وتبن للأسس الفكرية لتلك الأفعال يؤدي إلى فقدان تلك الأعمال لمعناها التام، ويحول الفعل إلى شكل لا معنى له وجسداً لا روح له، إضافة لذلك فإنه أيضاً يصعِّب الاستمرار على الفعل. إذ إن الاستمرار سيعتمد على نوع من الاكراه الذاتي بسبب ضعف الأسس الفكرية التي يستند عليها الفعل، إلى أن يضجر المرء من الفعل أو يعتاد عليه.
ثم إن هذه الممارسة في العبادات ترسخ لظاهرة اجتماعية سلبية، وهي التركيز على ظواهر الأعمال وحجمها وقدرها دون النظر في مضامينها وما ورائها. ولعل سبب وجود مثل هذا في الواقع الإسلامي يعود إلى عقلية التقليد التي سادت طويلاً، فأصل التقليد هو أخذ النتائج دون النظر في المقدمات، وهذا كما قد يكون في الآراء فإنه كذلك في الأفعال.
فالمقصود أن علينا أن نولي اهتماماً كبيراً بطرائق التفكير ودوافع السلوك التي ينطلق منها الصالحون ، لأن أعمالهم هي نتيجة لطريقة تفكيرهم، ولذلك فالاقتداء بهم ينبغي أن يبدأ من معرفة طريقة التفكير لديهم، ثم الاقتداء بها عن تفكر وتدبر وقناعة. وبخلاف الفعل الذي يتبع تقليداً، من دون نظر إلى أسسه فإن الفعل الذي نشأ تعبيراً عن معنى معين وقناعة محددة تكون له فائدة مزدوجة:
فهو من ناحية تجسيد عملي لحالة فكرية نفسية.
من ناحية أخرى فإن ممارسة الفعل الذي شأنه مثل هذا سيكون أخف بكثير من ممارسة الفعل تقليداً حيث إن الجهد النفسي المرافق لأي فعل سيكون أقل بكثير من الحالة الأولى.
والكلام السابق يفترض ضمناً التسليم بأن السلوك إلى الله تعالى يستند على التفكير مثله مثل أي فعل آخر. وأن الأعمال الظاهرة أو الباطنة هي انعكاس لحالة فكرية معينة عن الله تعالى والإنسان. وأن تلك الحالة الفكرية يمكن تحصيلها من أي إنسان بإعمال العقل في الوجود مسترشداً بدلالات القرآن الكريم التي بينت وميزت الصراط إلى الله عن السبل المتعددة التي تذهب بالمرء يميناً وشمالاً. وأن بداية السلوك إلى الله تعالى إنما تكون من العقل والفكر، ثم يواكبها العمل الذي يوازي تلك القناعة العقلي، والذي يرسخ تلك القناعة العقلية، ففرق بين بين أن أعلم الشيء وبين أن أعيشه. ثم يعود العقل ليعمل أكثر، ويستظهر المزيد عن عظمة الله جل وعلا وتتكشف له حقائق ضعفه وعجزه هو الإنسان، لينعكس عن هذا سلوك وعمل آخر، وهكذا دواليك. فكرة فعمل، ففكرة فعمل.
ولكن إذا اعتبرنا أن السلوك إلى الله عملية تبدأ بمعرفة وقناعة إجماليتين، مصدرها التلقين وليس إعمال العقل، ويتبعها سلوك محدد ضمن إطاري تصفية الباطن والظاهر، وتحليتهما بالملكات والأعمال الفاضلة، وضمن تصاعد متدرج، بحيث تكون عمليتي التصفية والتحلية هما الأساس في التقرب إلى الله تعالى، وهما مفتاح المزيد من المعارف الإلهية التي تأتي على الإنسان فيضاً أو إلهاماً، إذا اعتبرنا ذلك فإن الاقتداء بأفعال الأولياء بغير معرفة أصولها الفكرية سيكون له مسوغاً. وسيكون مهماً لنا أن نعرف قدر ما استطاعوا أن يعملوه لنستلهم من ذلك العزائم لنصل إلى ما وصلوا إليه. وسيكون الكلام السابق لغواً.
ولكنني هنا أذهب إلى الرؤية الأولى وهي أن عبادة الله تتأسس على العقل والتفكير، بل أكثر من هذا، فيُذهب إلى إن أبرز وأجلى مظاهرها إنما هي مظاهر عقلية، وأن جميع المظاهر السلوكية تأتي في درجة بعيدة للغاية عنها. فأبرز وأهم عناصر العلاقة مع الله تعالى نحو خشيته، وتسبيحه، وحمده، والشهادة له بالأحدية وقيامه بالقسط، كلها مظاهر عقلية لعبادة الله تعالى. فالخشية انفعال ناشيء عن العلم بجلال الله وفقر الإنسان. والتسبيح والتحميد ترديد لساني معبر عن علم بما لله تعالى من الكمالات، وما يتنزه عنه من النقائص. وكذلك الشهادة، تلفظ منعكس عن قناعة فكرية محددة هي أن الله تعالى واحد أحد في ذاته، وقائم بالقسط في تعامله مع خلقه.
وقد جاء في الآثار ” أن تفكر ساعة خير من عبادة سنة ” ولهذا ما يؤيده من العقل والتجربة . فأن أعرف أكثر أهم من أن أعمل أكثر. ورد أن عبادة العالم خير من عبادة الجاهل. إذ ركعتين من عالم يكون لها المضمون الأساسي الذي بسببه أصلاً شرعت الصلاة وغيرها من العبادات. وإذا أخذنا عبادة سيد الأولين والأخرين الرسول الخاتم صلوات الله عليه وعلى آله فإننا سنجد أنفسنا أمام عبادة قليلها خير من عبادة الجن والإنس. وعبادة النبي لم تتقدم على عبادة غيره من حيث كميتها وإنما من حيث مضمونها حيث إنها كانت عبادة عالم بالله تعالى عارف به. ويمكن أن نتصور عباداً فاقوا النبي صلوات الله عليه وعدد الركعات اليومية، أو الصيام، أو الحج، أو الصدقة والزكاة، ولكن لا يمكن أن تصدر تلك الأعمال عن فكر كفكر النبي صلى الله عليه.
وتجدر الإشارة هنا إلى أن العالم الذي عبادته خير من الجاهل، وأيضاً أولوا العلم الذين شهدوا لله تعالى، هم ليسوا فقط الفقهاء والمجتهدين وعلماء أصول الفقه. بل كم من فقيه مجتهد فحل في الأصول وغيرها من علوم الشريعة وهو يجهل تلك القضايا. وبالتالي فإن العلم الذي به صار أولو العلم، ليس الفقه، فالفقه من أوله إلى آخره لا يقدم علماً بالله تعالى، ولا يعزز علاقة مع الله تعالى، ولا يقوي الخشية منه تعالى، إذ هو في آخر الأمر مواد قانونية لا أكثر ولا أقل. وليس هذا تقليلا من شأنه، ولا من أهميته، ولا من فضل وأجر العاملين فيه وبه، ولا أنكر أنه قد ورد في طلب العلم الشرعي فضل خاص، ولكن هذا أمر، وأن نجعل ذلك العلم مرادفاً أو جزءاً للعلم الشرعي الفقهي أمر غير دقيق.
إن أولو العلم أولئك هم كل من أعمل عقله في الوجود، باختلاف التخصصات العلمية التي ينتمون إليها، والمشترك بينهم كلهم هو العقل، والتميز بينهم إنما في القدرة إلى إعماله، وعلى الاسترشاد بالقرآن الكريم في ذلك.
وهنا لا أريد أن يُظن أنني أنكر دور الالهام الرباني، ولكن الإلهام إما فكرة، وإما ترسيخ لفكرة، وتعميق لها. فإذا كان فكرة، فلا بد من أن يكون لتلك الفكرة مستنداً عقلياً تُقيم وفقه، وإلا لما تميزت عن الوسوسة أو الخاطر. وإذا كان الإلهام ترسيخ لفكرة وتعميق لأثرها فهي ليست علماً لأنها لا تضيف معلومة، وإنما هي رحمة إلهية زادت بها شدة تمثل الفكرة في نفس وقلب المرء.
ثم إن المعارف عموماً قسمين: معارف نظرية، وأخرى عملية. المعارف النظرية هي مجموعة افكار تعكس للواقع كما هو. وأما المعارف العملية فهي أفكار تُشكِّل للواقع وفق تصور معين. الأولى وصفية ووالأخرى معيارية. الأولى يعبر عنها بجمل خبرية نحو: “أ” هو “ب”، والأخرى بجمل إنشائية نحو: يجب على “أ” أن يكون “ب”. النظرية معرفة ما هو كائن، والعملية معرفة الواقع كما ينبغي أن يكون.
وكذلك فالمعارف التي نستند عليها في علاقتنا بالله جل وعلا على القسمين السابقين. وبقسميها تقدم لنا رؤية محددة عن الله تعالى وعن أنفسنا، وعن علاقة الله تعالى بنا، وعن علاقتنا بالله تعالى كما هي، وكما يجب أن تكون، وعن دورنا في هذه الحياة، ومآلنا بعد الممات.
1. فالمعارف النظرية عن الله تعالى تُجمل في: معرفة الله، والإنسان، وعلاقة الله تعالى به، وموقعه من الله، وسبب وجوده ودوره في الحياة، ومآله. ويمكن تفصيل بعض عناصرها فيما يلي:
أ. معرفة الله تعالى وتكون بمعرفة صفاته تعالى الذاتية وهي: أنه العالم، القادر، الحي، الغني، ملك الدنيا والآخرة.
ب. معرفة صفاتنا الذاتية: وهي المملوكية لله، والفقر إلى الله، ومعرفة أن هذه الصفات ذاتية لنا لا تنفك عنا أبداً. وفي الوقت نفسه معرفة أن فينا نفخة إلهية بها كان لدينا قدرة على الفعل والخلق والابداع والتغيير.
ت. المقابلة بين أنفسنا وبين الله جل جلاله. فالله تعالى هو الغني، ونحن الفقر. الله هو الكمال ونحن النقص. الله هو العلم ونحن الجهل، ونحوها.
ث. معرفة أفعال الله تعالى فينا وإنعامه علينا، وأن كل ما يفعله بنا يقوم على العدل والقسط والحكمة والرحمة.
ج. معرفة أفعالنا نحو الله تعالى، من تقصير وإعراض.
ح. المقارنة بين أفعالنا وبين أفعال الله فينا.
خ. معرفة أن الحياة ليست إلا رحلة ومسيرة إلى الله تعالى، مسيرة ضرورية لا مهرب منها ولا مفر، فإن المنتهى إلى الله، وإننا كادحون إليه كدحاً، وراجعون إليه.
د. معرفة أن نهاية هذه المسيرة مغفرة من الله ورضوان، أو عذاب شديد أليم.
ذ. ومعرفة أن المآل الذي سنؤول إليه أبدي لا نهاية له.
هذه المعارف نظرية لأنها تصف واقعاً كما هو بدون أن تعطينا أي حكم على الكيفية التي يجب أن يكون عليها. هي معارف وصفية.
ولكنها معارف وصفية تختلف عن غيرها من المعارف الوصفية، إذ تختلف طبيعة المعارف الوصفية عن الله تعالى وعن الإنسان عن غيرها من المعارف. فإن العلم بعدد النجوم، أو بالجاذبية، أو علوم الأحياء والفيزياء، وغيرها من العلوم، كلها نظرية وصفية، ولكنها لا تؤثر تأثيراً مباشراً على تقييمنا الأخلاقي، ولا على سلوكنا الأخلاقي، ولا يتوقع منها ذلك، بخلاف تلك العلوم. فإنها متى عُرفت فإنها تغير كثيراً من المعادلة الأخلاقية لدينا. بحيث ينتج عنها تلقائياً مجموعة من المعايير، والقناعات عن ما يجب أن يكون، وبالتالي ينشأ عنها مجموعة من المعارف العملية التي تصاغ بعبارة: يجب أن يكون. إضافة إلى ذلك فإنها تؤثر على مشاعرنا نحو الواقع بحيث تخلق حالة شعورية جديدة لم تكن قبل العلم بتلك الأمور.
فمتى ما عرفنا الله والإنسان… إلخ فإنه يتوقع أن تنتج مجموعة من المعارف العملية والحالات الشعورية نحو:
1. الشعور بقدرة الله علينا، وعجزنا عن مواجهته وعن الفرار منه.
2. الشعور بمراقبته تعالى، وبأننا مكشوفون له تماماً وما ينتج عن هذا الشعور بالعجز التام أمامه جل وعلا.
3. الشعور بأن أملنا الوحيد في الفلاح هو في الله وأن بغيره لا نجاة ولا فوز بل تعاسة وشقاء.
4. الشعور بالامتنان نحو الله تعالى لنعمه التي لا تحصى وعلى رأسها أن جل جلاله يتقرب إلينا وهو غني عنا. ومنها أنه أذن لنا بدعائه، وبذكره، وأن فتح لنا أبواب رحمته ومغفرته، وأن ستر علينا، وأمهلنا، وجعل لنا التوبة سبيلاً إلى مجاوزة معاصينا.
5. الشعور بالخجل الشديد والاستحياء العظيم من الله تعالى الكريم الحليم المنعم الغني وذلك لأننا قابلنا هذا الإله بالمعاصي والتقصير وقلة الخير.
6. تصغير أمر وشأن الحياة الدنيا مما يعني الصبر، وعدم الجزع، وعدم الحرص.
7. النفور من المعاصي التي فيها مخالفة الإله الكريم الجليل الحليم، والتي فيها خسارة مراتب أخروية، واقتراب من النار.
8. الشعور بالمسؤولية ، فمع القدرة والتمكن تأتي مسؤولية متناسبة معها.
تلك المعارف التي يجب أن تقف خلف أي عمل صالح… وأما العمل الصالح الذي يأتي بعيداً عنها، فهو عمل ناقص مضموناً. والصالحون الذين يقتدى بهم هم من أظهر أعمالاً صالحة، وفي الوقت نفسه أظهر فهما واستيعاباً لتلك المعارف.
ولكن كيف نتعرف على رؤيتهم لتلك القضايا؟
وإذا عرفناها فكيف يمكن لنا أن نستفيد منها؟
عن السؤال الثاني فما أطرحه إنما جانب من الجوانب الاستفادة. وما أطرحه مبني على أساس أن هناك مستويين من المعرفة أو الإيمان بالله: المعرفة(الإيمان) العقلية، والمعرفة(الإيمان) القلبية.
فالمعرفة العقلية تكون عندما يحضر المفهوم في ذهن المرء، وأما المعرفة القلبية فهي عندما يعيش المرء ذلك المفهوم، ويستحوذ على كيانه. ففرق بين أن أعرف الحب ما هو، وبين أن أعيش الحب، بين أن أعرف الجوع وأن أشعر به. وهكذا.
إبليس كان يعرف الله عقلاً، ويعرف حق الله عليه عقلاً، ولكنه لم يعش تلك المعرفة ولذلك سقط في الامتحان الكبير، كان يعيش ذاتيته ولم يكن يعيش إيمانه.
وواضح من تجاربنا اليومية أن دور المعرفة والقناعة العقلية في التأثير على إرادة الإنسان يقل كثيراً عن دور المعرفة القلبية أو القناعة العاطفية. فالمعرفة العقلية يمكنها أن تدفع الإنسان إلى الإمام، ولكن طاقة دفعها محدودة وتقف في مرحلة محددة من السلوك. كما إن قدرتها على شحذ الهمة لمواجهة ومقاومة التحديات أيضاً أقل بكثير من قدرة المعرفة القلبية. ولذلك فإن موضوع تحول الإيمان من العقل إلى القلب أمر لا غنى عنه من هذه الزاوية. أما إذا أخذنا بالرأي القائل أنه من جهة فإن حقيقة السلوك إلى الله تعالى وعمقه وجوهره، ليس إلا نقل المعارف العقلية إلى القلب، بمعنى الامتزاج بها، والاندماج حتى يصير المرء لا يرى إلا بها، ولا يشعر إلا بها، ولا يقيِّم، ولا يحب، ولا يكره، ولا يتحرك أي حركة في الحياة إلا بها ومن خلالها؛ ومن جهة أخرى فإن زيادة الأعمال والعبادات، من مظاهر السلوك وليست هي السلوك؛ إذا أخذنا بتلك الرؤية فإن أمر تحويلها يصبح هدفاً بحد ذاته.
ولكن المعرفة/الإيمان القلبي مستمد من المعرفة/الإيمان العقلي، وبالتالي فبقدر وضوح الصورة عقلاً، بقدر عمق الإيمان قلباً. أيضاً فإن العقل يكون هو المشرف والقائم على ما يصل للقلب من قضايا، بحيث لا تتسرب إليه الأوهام والخرافات التي تشوش مسيرة القلب إلى الله تعالى.
وعلى ضوء ذلك فيمكن أن تعتبر أفكار الصالحين مادة أساسية يتم استمدادها عقلاً، وتقييمها، بحيث تشكل بمجموع تفاصيلها أسس الإيمان العقلي، الذي هو المقدمة الضرورية للإيمان القلبي.
وقد يقال ضمن هذه الرؤية: هل نحتاج إلى معرفة طرائق تفكيرهم أصلاً؟ لماذا لا نستخرج نحن الأسس الإيمان العقلي؟ فكما لهم عقول، لنا كذلك، وكما استنبطوا وأعملوا عقولهم نحن كذلك. والقرآن بين أيدينا والسنة بين أيدينا. وهذا الكلام من حيث المبدأ صحيح لا غبار عليه. ولكن الاستفادة من تجارب الغير وعلومهم وقدرتهم على صياغة القضايا بأسلوب مفهوم وواضح مسألة إنسانية عامة. ثم نحن إذ نستلهم منهم أفكارهم، فإننا لا نتلقنها، وإنما نقيمها بعقولنا وعلومنا، وفي الوقت نفسه نستفيد من تجربتهم التي قد تختصر لنا الطريق بشكل كبير.
ومن وجهة نظري فإن أبرز ما يبين تلك الأفكار هي أدعيتهم لله تعالى. وذلك أن الدعاء يمثل أعمق شكل من أشكال العلاقة بين الله جل جلاله والعبد، وفيه يتمثل الإنسان عجزه وضعفه ومحدوديته،كما يتمثل قدرة وقوة الله جل جلاله. ثم إن الداعي وإن انطلق من عمقه في التوجه إلى الله، إلا أنه يصيغ تلك المعاني العميقة ضمن قوالب لغوية تعبر بقدرٍ ما عما يجول في قلبه وعقله. تلك الصياغة التي انطلقت من قلبه أساساً نتلقفها نحن بعقولنا لنحاول أن ننقلها إلى قلوبنا. ولما كانت القدرة التعبيرية تختلف من شخص لآخر، فما كل من عشق صاغ عشقه كما صاغه مجنون ليلى، فإن الأدعية تتفاوت في عمق ما تعبر عنه. أيضاً تتفاوت حسب عمق علاقة الشخص بالله تعالى.
وأحد من اجتمع لديهم الأمران، القوة التعبيرية، والعمق في العلاقة مع الله تعالى، هو الإمام علي بن الحسين بن علي بن أبي طالب الذي اشتهر بالسجاد لكثرة سجوده، أو زين العابدين لتقدمه على عباد عصره. فقد صاغ الإمام بعضاً يسيراً من تجربته مع الله تعالى ضمن أدعية عرف بعضها بالصحيفة السجادية، أو صحيفة زين العابدين. وهي من أرقى وأعمق ما يكون من الدعاء، وتعبير دقيق عن كثير مما كان يجول في عقل وقلب الإمام في علاقته بالله تعالى: كيف كان يفكر، وكيف كان يشعر؟ إنها تمثل الصورة الذهنية والشعورية لنموذج يجب أن نتحلى به؛ وتمكننا أن نحدد معالم العبارات المجملة: تقي، مؤمن، يخشى الله، ولي الله. إن تلك عبارات مجملة تضم تحتها مجموعة من المعاني، نجد كثيراً منها في نحو أدعية الإمام السجاد. ورسم الصورة الذهنية لما يراد الوصول إليه خطوة أساسية في أي حركة مهما كانت.
وبأخذ بعض أدعية الإمام يمكن للفكرة أن تتضح أكثر. فمثلاً من دعائه المعروف بدعاء أبي حمزة الثمالي نأخذ بعض الفقرات نحو:
اَلْحَمْدُ للهِ الَّذي اَدْعوُهُ فَيُجيبُني وَاِنْ كُنْتَ بَطيـئاً حينَ يَدْعوُني، وَاَلْحَمْدُ للهِ الَّذي اَسْأَلُهُ فَيُعْطيني وَاِنْ كُنْتُ بَخيلاً حينَ يَسْتَقْرِضُني … وَالْحَمْدُ للهِ الَّذي اُناديهِ كُلَّما شِئْتُ لِحاجَتي، وَاَخْلُو بِهِ حَيْثُ شِئْتُ، لِسِرِّي بِغَيْرِ شَفيعٍ فَيَقْضى لي حاجَتي… اَللّـهُمَّ اِنّي اَجِدُ سُبُلَ الْمَطالِبِ اِلَيْكَ مُشْرَعَةً، وَمَناهِلَ الرَّجاءِ اِلَيْكَ مُتْرَعَةً، وَالاِْسْتِعانَةَ بِفَضْلِكَ لِمَنْ اَمَّلَكَ مُباحَةً، وَاَبْوابَ الدُّعاءِ اِلَيْكَ لِلصّارِخينَ مَفْتُوحَةً … وَالْحَمْدُ للهِ الَّذي تَحَبَّبَ اِلَىَّ وَهُوَ غَنِيٌّ عَنّي …
فنلاحظ في هذه العبارات لفت انتباه الداعي إلى مفارقات أساسية في علاقتنا بالله تعالى. فالله تعالى يجيبنا إذ ندعوه، ويعطينا إذ نسأله في حين أننا بطيئوا الاستجابة، بخيلوا العطاء.
كما إنه جل جلاله وعز شأنه قد فتح لنا باب الدعاء إليه، فلا حجاب، ولا مواعيد، ولا أحد معنا إذ نضع أنفسنا أمام مقامه الكريم.
ثم إننا نجد أن الله تعالى يتحبب إلينا في حين أنه الغني المطلق عنا، مقابل ابتعادنا عنه، في حين أننا الفقراء المحتاجون إليه.
ثم يقول الإمام ليقرر لنا أن الرحلة إلى الله ليست بعيدة: وَاَنَّ الِراحِلَ اِلَيْكَ قَريبُ الْمَسافَةِ…
ثم يؤكد لنا أن الله تعالى غير بعيد عنا، وغير محجوب عن خلقه، وإنما أعمالنا تحجبنا عنه، وانصرافنا يبعدنا منه: َاَنَّكَ لا تَحْتَجِبُ عَنْ خَلْقِكَ إلاّ اَنْ تَحْجُبَهُمُ الاَْعمالُ دُونَكَ. وإلا فهو الله تعالى القريب لمن سعى إليه، اللطيف بمن استعان به.
هذه المفارقات بين الله والعبد مما يجب أن يستحضر. وهي مفارقات تحكي واقعا موجوداً نراه كل يوم. فالإمام هنا يلفت الانتباه إليها، لنفكر فيها، ونتأملها، ونصيغ سلوكنا وفق رؤيتنا له.
ثم يقول في مقطع آخر: اَدْعُوكَ يا سَيِّدي بِلِسانٍ قَدْ اَخْرَسَهُ ذَنْبُهُ، رَبِّ اُناجيكَ بِقَلْبٍ قَدْ اَوْبَقَهُ جُرْمُهُ… وهذا حال من أدرك تلك المفارقات، فكل من عرف الله تعالى عز شأنه، وعرف ذاته بما فيها ضغف، ثم نظر إلى تلك المفارقات، نظر إلى كيف الله معنا بكل جلاله وجبروته، وكيفنا مع الله بكل ضعفنا وهواننا، فإن أقل أحواله أن يخرسه الخجل عندما يقف أمام الله.
ويضاعف الشعور بالخجل، والشعور بالحياء الشديد ما نعرفه من أنفسنا، وما عبر عنه الإمام بقوله: فَلَوِ اطَّلَعَ الْيَوْمَ عَلى ذَنْبي غَيْرُكَ ما فَعَلْتُهُ، وَلَوْ خِفْتُ تَعْجيلَ الْعُقُوبَةِ لاَجْتَنَبْتُهُ… نعم! هذا حال الإنسان.. يخجل من الإنسان الضعيف الذي لم يقدم له شيئاً، ولا يخجل من الله ذو الجلال الذي منه وجودنا، وبه دوامنا، وبنعمه قيامنا، وإليه مآلنا.
ولذلك فإننا كما يقول الإمام، إننا إذ ندرك حال الله معنا، وحالنا مع الله : فَقَدْ عَلِمْنا ما نَسْتَوْجِبُ بِاَعْمالِنا.. فهي أعمال لا توجب إلا السخط والعذاب والعقاب. ولكننا نتردد دوماً بين تلك المقارنة وبين علمنا بالله، ولذلك فإن ما يعطينا الأمل في الدعاء إنما: وَلكِنْ عِلْمُكَ فينا وَعِلْمُنا بِاَنَّكَ لا تَصْرِفُنا عَنْكَ وَاِنْ كُنّا غَيْرَ مُسْتَوْجِبينَ لِرَحْمَتِكَ…
وفي مقطع آخر يذكر الإمام مفارقات أخرى بين حال الله وحال العبد، وهي مفارقات جديرة بأن تدهش كل من يتأمل فيها: تَتَحَبَّبُ اِلَيْنا بِالنِّعَمِ وَنُعارِضُكَ بِالذُّنُوبِ، خَيْرُكَ اِلَيْنا نازِلٌ، وَشُّرنا اِلَيْكَ صاعِدٌ، وَلَمْ يَزَلْ وَلا يَزالُ مَلَكٌ كَريمٌ يَأتيكَ عَنّا بِعَمَلٍ قَبيحٍ، فَلا يَمْنَعُكَ ذلِكَ مِنْ اَنْ تَحُوطَنا بِنِعَمِكَ، وَتَتَفَضَّلَ عَلَيْنا بِآلائِكَ… هذه المفارقات بين ما نعمله لله، وما يعمله الله تعالى لنا، مفارقات من الضرورة الالتفات إليها، وإدراكها، كما لا شك وأنها ستؤدي إلى حالة من الخجل الشديد والحياء البالغ من الله تعالى.
وفي مفارقة أخرى يذكرها الإمام: سَيِّدي اَنَا الصَّغيرُ الَّذي رَبَّيْتَهُ، وَاَنَا الْجاهِلُ الَّذي عَلَّمْتَهُ، وَاَنَا الضّالُّ الَّذي هَدَيْتَهُ، وَاَنَا الْوَضيعُ الَّذي رَفَعْتَهُ، وَاَنَا الْخائِفُ الَّذي آمَنْتَهُ، وَالْجايِعُ الَّذي اَشْبَعْتَهُ، وَالْعَطْشانُ الَّذي اَرْوَيْتَهُ، وَالْعاري الَّذي كَسَوْتَهُ، وَالْفَقيرُ الَّذي اَغْنَيْتَهُ، وَالضَّعيفُ الَّذي قَوَّيْتَهُ، وَالذَّليلُ الَّذي اَعْزَزْتَهُ، وَالسَّقيمُ الَّذي شَفَيْتَهُ، وَالسّائِلُ الَّذي اَعْطَيْتَهُ، وَالْمُذْنِبُ الَّذي سَتَرْتَهُ، وَالْخاطِئُ الَّذي اَقَلْتَهُ، وَاَنَا الْقَليلُ الَّذي كَثَّرْتَهُ، وَالْمُسْتَضْعَفُ الَّذي نَصَرْتَهُ، وَاَنَا الطَّريدُ الَّذي آوَيْتَهُ….
فيعدد جملة من نعم الله العظام علينا، ثم بعد ذلك يشير إلى كيف كان فعلنا تجاه تلك النعم فيقول: اَنَا يا رَبِّ الَّذي لَمْ اَسْتَحْيِكَ فِي الْخَلاءِ، وَلَمْ اُراقِبْكَ فِي الْمَلاءِ، اَنَا صاحِبُ الدَّواهِي الْعُظْمى، اَنَا الَّذي عَلى سَيِّدِهِ اجْتَرى، اَنَا الَّذي عَصَيْتُ جَبّارَ السَّماءِ، اَنَا الَّذي اَعْطَيْتُ عَلى مَعاصِي الْجَليلِ الرُّشا، اَنَا الَّذي حينَ بُشِّرْتُ بِها خَرَجْتُ اِلَيْها اَسْعى، اَنَا الَّذي اَمْهَلْتَني فَما ارْعَوَيْتُ، وَسَتَرْتَ عَلَيَّ فَمَا اسْتَحْيَيْتُ، وَعَمِلْتُ بِالْمَعاصي فَتَعَدَّيْتُ، وَاَسْقَطْتَني مِنْ عَيْنِكَ فَما بالَيْتُ…
فالله تعالى ينعم علينا، ونحن نعرض عنه، ولكن الله تعالى بعد ذلك بفضله وكرمه يحلم عنا، ويستر علينا، ويجنبنا عقوبته: فَبِحِلْمِكَ اَمْهَلْتَني وَبِسِتْرِكَ سَتَرْتَني حَتّى كَاَنَّكَ اَغْفَلْتَني، وَمِنْ عُقُوباتِ الْمَعاصي جَنَّبْتَني حَتّى كَاَنَّكَ اسْتَحْيَيْتَني… وبسبب إدراك الإمام لعظم المفارقة بين ما يعمله الله تعالى لنا، وبين ما نستحقه منه جل جلاله نجده يقرب ستر الله بالإغفال، وتجنيب العقوبة بالحياء.
وفي أدعية الصحيفة نجد نحو تلك الإشارات الروحية فمثلاً في دعائه في الصلاة على النبي، نلاحظ تشديد الإمام على الخصائص العملية للنبي، والتي بها استحق ما استحق عند الله تعالى، وعند خلقه. ويخلو الدعاء تماماً من أي خصائص تكوينية بحيث يكون التفكير في النبي عليه السلام تفكيراً في أعماله، وليس تفكيراً في خلقه. وفي دعائه عليه السلام في الاعتراف لله تعالى نجد الإمام يبدأ الدعاء بلفت الذهن إلى ما ينبغي أن يكون عليه الداعي من الخجل من الله تعالى، خجل قد يحول دون التوجه إلى الله تعالى، لولا أن الله تعالى يتفضل على من يقبل إليه، ويحسن الظن به. ((اَللَّهُمَّ إنَّهُ يَحْجُبُنِي عَنْ مَسْأَلَتِكَ خِلاَلٌ ثَلاثٌ وَتَحْدُونِي عَلَيْهَا خَلَّةٌ وَاحِدَةٌ، يَحْجُبُنِي أَمْرٌ أَمَرْتَ بِهِ فَأَبْطَأتُ عَنْهُ، وَنَهْيٌ نَهَيْتَنِي عَنْهُ فَأَسْرَعْتُ إلَيْهِ، وَنِعْمَةٌ أَنْعَمْتَ بِهَا عَلَيَّ فَقَصَّـرْتُ فِي شُكْرِهَـا. وَيَحْدُونِي عَلَى مَسْأَلَتِكَ تَفَضُّلُكَ عَلَى مَنْ أَقْبَلَ بِوَجْهِهِ إلَيْكَ، وَوَفَدَ بِحُسْنِ ظَنِّـهِ إلَيْكَ..)) ثم ينطلق ببيان حاله مع الله، وحال الله معه، ليلح على الله تعالى أن يغفر له، ويتوب عليه. وفي دعائه حال المرض نجد الإمام يلفت انتباه الداعي إلى العافية التي لا زالت موجودة لدى الإنسان، وأبرزها عافية العقل والإيمان. ثم يقارن الإمام بين حالي العافية والمرض، وما في كل واحدة منهما من منافع، ثم يختم الدعاء بعد ذلك. وفي دعائه في مكارم الأخلاق نجده يخط دستوراً أخلاقياً يرجو من الله أن يوفقه للالتزام به.
والمقام لا يسمح بالتوسع في الأمثلة، ولعل في قليل ما ذكر ما يكفي لأن نقرأ الصحيفة وغيرها من الأدعية بوصفها دروساً في العلاقة مع الله، وبوصفها دلالات ومعالم في الطريق إلى الله تعالى ضمن سياق الاقتداء بفكر الصالحين. ولعل قراءتها كذلك يجب أن يسبق قراءتها بوصفها أدعية راجين من الله أن يقبلنا ويستجيب لنا في جميع الأحوال.
عبدالله حميدالدين فبراير 3rd, 2007
هناك اختلاف حول أمر العقل وعلاقته بالنص. السائد هو اعتبار أن أمر الدين يعود كلية إلى النص، وأن العقل عليه التوقف عند حدود المادة والمحسوسات. وقد صاغه البعض بعبارة “التعارض بين العقل والنقل”. ومحور الخلاف ليس التعارض، وإنما صلاحية العقل في إدراك القضايا الدينية، والمصالح الدنيوية مستقلاً عن النص من جهة، ومن جهة أخرى قبول مبادئ دينية تتعارض مع العقل. على ضوء ذلك تشكل لنا منهجان:
منهج يستند إلى العقل ليفهم به النص.
ومنهج يستند إلى النص ويُكيِّف العقل وفق فهمنا له.
منهج الاستناد إلى العقل
يرى أن النص حمَّال ذو وجوه، يحتمل معاني متعددة وأحياناً متباينة. ولذلك فإن النص بطبيعته، أياً كان مصدره، لا يُفهم فهماً سليماً إلا من خلال الاستناد إلى أمرٍ خارجٍ عنه. هذا الأمر هو الواقع. والواقع لا يستكشف إلا من طريقين: الطريق الأول هو الحس والمشاهدة. والطريق الثاني هو الاستدلال بالعقل. ففيما يتعلق بمعرفة الله؛ فنحن نعلم أنه تعالى لا يعلم بالحس ولا بالمشاهدة، فليس لنا وسيلة إلى معرفته إلا الاستدلال بالعقل. وفيما يتعلق بالأمور التشريعية فإن العقل يمكنه أن يدرك المصالح والمفاسد وبالتالي يطابق بين التشريع وبينها. النص وفق هذا التصور لا يُملي على العقل معلوماته عن الله تعالى أو عن المصالح والمفاسد، بل يثير انتباهه إلى ما كان غفل عنه العقل، ولربما ظل كذلك لدقة بعض تلك الحقائق. إلا أن هذه الحقائق التي كان غافلاً عنها، والتي أثار النص انتباهه إليها، من شأن العقل أن يصل إليها بمفرده، لو قدَّرنا وافترضنا أن العقل وُجِّه توجيهاً سليماً. لذلك وفق هذا المنهج فنحن نعقل معاني النصوص ولا نكرر ألفاظها كلما ذكرناها. النص يثير دفائن العقول بحيث يصل العقل بنفسه إلى معرفة الله تعالى، كما يصل إلى معرفة ما يجب عليه من الأفعال. النص في هذا المنهج يرشد العقل إلى إدراك الواقع. أولوية العقل على النص تعم كل ما يأتي به الأنبياء. نعم يوجد فرق بسيط بين العبادات التي يرشدون إليها وبين الشرائع التي يضعونها. في مجال العبادات يضع الأنبياء قواعد سلوكية تعبدية يدرك العقل بشكل عام أنه بحاجة إليها. فالإنسان يدرك حق الله عليه، ويدرك أن عليه أن يؤدي الشكر لله تعالى على ما أولى وأنعم. كما يدرك حاجته للاتصال بالله تعالى مصدر كل قوة، ومنبع كل خير، والعالم بكل شيء. ويعلم الإنسان أن أغلب البشرية إن لم يكن جميعها تحتاج في أداء شكرها لله تعالى وفي الاتصال به إلى ممارسات حسية. وعليه فالعقل يدرك الحاجة إلى وجود ممارسات تعبدية. ونلمس هذا من دعوة إبراهيم صلى الله عليه{وَأَرِنَا مَنَاسِكَنَا}[البقرة:128]. إذ يطلب من الله تعالى أن يرشده إلى الوجه الذي من خلاله يعبده به. يدرك العقل أيضاً أن تحديد هذه الممارسات يحسن أن تخرج عن مسؤولية الإنسان، وتكون لله وحده، وذلك لأكثر من سبب:
1.هناك لا محدودية في الاحتمالات الممكنة لتلك الممارسات، فهي في نهاية الأمر تكسب قيمتها لا من ذاتها، أو شكلها، وإنما من المعنى الذي يفترض أنها تعبر عنه، وبالتالي يمكن لنا أن نتصور أشكالاً متنوعة ومختلفة من الممارسات العبادية والتي لا يختلف أحدها عن الآخر من حيث شكل الفعل، وإنما سيكون الاختلاف في المعنى وراء الفعل.
2.إن أخذ هذه الأمور من الله تعالى له قيمة روحية أساسية هي التعبد المحض لله تعالى فيما يريد، كيفما يريد.
3.هناك ضرورة إلى وحدة الممارسات بين الأمم، لخلق روح جماعية ضرورية، وهي قيمة لا يمكن تحقيقها لو كان لكل منا الخيار في اختيار الشكل الذي يريد من خلاله أن يعبد الله تعالى. ونجد أن مع كل الاختلافات التي حصلت بين المسلمين في كل شيء، إلا أن شكل الممارسات التعبدية لله تعالى لم يختلف عليها. فالكل يصلي ويصوم ويزكي ويحج ويدعو الله.
4.يضاف إلى ما سبق، ضرورة سلب حق تحديد شكل هذه الممارسات إلى أي بشر، حيث إن ذلك يعطيهم قدرة هائلة على السيطرة على الناس، وإخضاعهم لأهوائهم.
إذن خروج الممارسات العبادية المحضة عن مجال فعل العقل، لم يكن من حيث إنه لا يعقل قيمتها، أو أهميتها، ولكن من حيث إن أي شكل من أشكالها يحقق الغرض منها، في حين أن إحالة أمرها إلى العقل سيؤدي إلى مشكلات مختلفة، فإذا كان الأمر كذلك، فليكن اختيار الله تعالى لنا هو الشكل الذي نعمل عليه، ونتقيد به. في المجالات الأخرى من مجالات حياتنا الفردية، والاجتماعية في مختلف أبعادهما، فإن الأنبياء هنا يؤكدون ما ارتكز من قضايا العقل جملة وتفصيلاً، أو يثيرونه ليستكشف أبعاداً أخرى. وقلما يؤسسون شيئاً في هذا المجال، وإن وجد فهو في قضايا فرعية لا تعتمد الحياة عليها. أما القضايا الكبرى، والتي ترتكز حركة المجتمع عليها، فهي قضايا عقلية، يأتي الدين ليثيرها، ويبْرِزَها إلى الأمام، ثم يحميها، ويهب لها القداسة، ويَعِدُ من تقيد بها بالثواب، ويتوعد من تعدَّى عليها بالعقاب.
منهج تأخير العقل
يرى أن العقل المتدين عليه أن يتنحى للنص تماماً، ويتلقى منه الألفاظ التي يوردها، بغير أن يكون له دور سوى دور المستمع. النص يملي على العقل تلك الألفاظ، وهو ليس إلا وعاءاً خالياً تماماً، يستلم ألفاظاً يجب عليه فهم المعنى اللفظي من أفراد الكلمات؛ لأن العقل وفق هذا التصور لا يستطيع أن يدرك من الواقع الخارجي ما له علاقة بالله تعالى أو ما كان يتعلق بمصلحة ومفسدة تشريعية. فالله قادر، لأن القرآن قال: إنه قادر. والله تعالى عالم، لأن القرآن قال:إنه عالم. أردد هذه الألفاظ دون أن يكون لي الحق أو القدرة على تعَقُّل المراد منها، ومع ذلك فعليَّ أن أفهمها. هذا الأمر مضر وقبيح لأن النص قال بذلك، وليس للعقل أي قدرة على تقييم الأمر. بل الأمر أكثر من هذا؛ فالنص هنا يَفرض على العقل معلومات لا يقبلها العقل، ولكن أصحاب هذا المنهج يقسرون العقل على قبولها مهما كان الأمر. يمكن إيضاح الفرق بين المنهجين بالنظر إلى طريقتهما في أمرين مهمين: معرفة الله، وشمولية الدين. حسب المنهج الأول فالنص عندما ينفي الشريك عنه تعالى، فإن النص يقرر، ويؤكد، معنى يمكن للعقل أن يقبله، ويدرك أنه يتوافق وكمال الله؛ لأن العقل يستطيع إدراك ما هو كمال لله. حسب المنهج الثاني فإن النص يُملي على العقل هذا المعنى، فلا يمكنه أن يحكم عليه ببطلان أو صحة، إلا من حيث صدق المصدر أو كذبه؛ بمعنى أن العقل لا يمكنه أن يحلل هذه القضية، فيحكم من خلال تحليله إياها أنها صحيحة، بل ما يعمله العقل هنا هو أنه يؤمن بصدق مصدر هذا الخبر فيصدقه، فلا يمكن أن يقول: إنه يتوافق وإياه، أو يختلف معه. على ضوء ذلك فإنه وفق المنهج الثاني؛ لو أثبت النص شريكاً لله تعالى فإنه سيقبله لأن دوره دور المتلقي لا غير. أما حسب المنهج الأول فلو أثبت النص شريكاً لله تعالى لنفى العقل صحته، لأن دوره دور المثار المتفكر. في المنهج الأول يكون العقل مستكشفاً لكمالات الله، ويكون النص كاشفاً لتلك الكمالات، ويتعاونا معاً من خلال عملية الكشف والاستكشاف. في المنهج الثاني يكون النص هو الكاشف عن الواقع، ويكون العقل متلقياً لهذا الواقع، بغير أن يكون له دور في استكشافه. صفات الله تعالى في المنهج الثاني تؤخذ من النص، وصفات الله تعالى في المنهج الأول يكون مصدرها ما ندركه من كمالات الله تعالى، والكاشف عنه النص والعقل معاً؛ إلا أن السابق في ذلك هو العقل: زمنياً لأن العقل قبل النص، ورتبةً لأن النص ـ أيُّ نص ـ لا يُفهم إلا من خلال الاستناد إلى فهم مسبق للواقع. وفيما يتعلق بالعلم بالله فهذا الفهم المسبق ليس مصدره إلا العقل كما ذكرت.
عبدالله حميدالدين فبراير 3rd, 2007
الخلاف حول تفسير معنى شمولية الإسلام يعود إلى الخلاف حول العلاقة بين العقل والنص.
ومن ضروريات الدين التي لم يختلف عليها أحد أن جميع أمورنا، صغيرها وكبيرها خاضعة لله تعالى. وأننا مملوكون له جل شأنه لا نتصرف في حياتنا إلا بما يرضاه. وقد تجلَّى هذا المعنى من خلال أوامر الله تعالى ونواهيه التي طالت تفاصيل حياتنا، حتى وصلت إلى كيفية الاستئذان وأحكامه.
ولكن ما معنى هذه الشمولية؟
أهي شمولية نص أم شمولية رؤية؟
هل الشمولية تعني أن جميع مناحي الحياة تقع ضمن النصوص الدينية القرآنية والنبوية؟ أم أنها تعني أن جميع أمورنا يجب أن تكون ونحن نراقب حضور الله تعالى معنا؟
من يرى أن النص مقدم على العقل سيفسر الشمولية بأنها شمولية نص. أو قد يلغي مبدأ الشمولية أساساً لما تواجهه من مشكلات نابعة من سياقه الذي تفسر فيه.
ولكن النصوص مهما كثرت فهي محدودة، ودلالاتها مهما اتسعت إلا أنها لا يمكن أن تستوعب كل المتغيرات المستحدثات، فضلاً عن كونها تشمل جميع تفاصيل الحياة. ولا يتعارض هذا مع قوله تعالى:{مَا فَرَّطْنَا فِي الْكِتَابِ مِنْ شَيْءٍ}[الأنعام:38]، ولا مع قوله تعالى:{تِبْيَانًا لِكُلِّ شَيْءٍ}[النحل:89] ذلك أن عبارة “كل شيء” لا تعني العموم المطلق، وإنما العموم المخصوص بمقتضيات السياق الذي وردت فيه العبارة. فقوله تعالى: {تُدَمِّرُ كُلَّ شَيْءٍ}[الأحقاف:25] لم يقصد تدمر كل شيء من الأشياء، بل كل ما بتدميره تكون العقوبة التامة على القوم قد تحققت. وقوله تعالى: {وَأُوتِيَتْ مِنْ كُلِّ شَيْءٍ}[النمل:23] لا يعني أكثر من أنها أوتيت كل ما من شأنه أن يعزز ملكها. والأمر أصرح في وصف الله تعالى للألواح التي أوتيت لموسى عليه السلام.
ومحدودية دلالة النصوص تؤدي في نهاية الأمر إلى تكلف كبير في استخراج دلالات خارجة عن مقصود النصوص، أو إلى القول بمحدودية دور الدين في حياة الإنسان ضمن نطاق ما صرحت به النصوص.
المنهج العقلاني، الذي جعل العقل مصدراً أولياً للمعرفة، اعتبر أن الشمولية أعم من شمولية النصوص. إنها شمولية رؤية. شمولية تنطلق من تأثير الإسلام على لون رؤيتنا للحياة. إنها ترى أن كل ما يقع فيه الإنسان مشمول برؤية ((إنا لله وإنا إليه راجعون)) وكل ما يعمله الإنسان تتناوله هداية الله تعالى. فالقرآن الكريم كتاب هداية أولاً، وكتاب تشريع ثانياً. والهداية هي الدلالة إلى المطلوب. وهداية القرآن هي إلى الله تعالى، وإلى سعادتنا. وقد وضع الله في كتابه كل ما يحتاج إليه الإنسان لكي يسير على الطريق المقصود، كما قدم له ما يغنيه لكي يحدد تفاصيل ذلك المسار. ولكن الله تعالى كما دلنا على الطريق، بغير أن يوصلنا إليه بنفسه، وإنما ترك الوصول علينا، وترك باب الاستعانة به مفتوحاً؛ فهو كذلك قد دلنا على كيفية وضع تفاصيل ذلك المسار،وترك لنا الكثير مما يجب القيام به.
مثالاً لهذا الأمر موضوع الدولة، والتي تُعْتَبَرُ من أهم القضايا ومن أولويات الدين. فضرورة الدولة العادلة التي ترعى مصالح الناس وفق منهج الشمولية الأول ينطلق من وجود النص. في حين أنها وفق المنهج الثاني أمر ينطلق من العقل ولا يتطلب النص. كما أن التحرك نحو تلك الدولة يتأسس على جملة من المفاهيم حول العدل، والحرية، والمساواة، والحقوق ونحوها. وهذه مفاهيم عقلية يدرك الإنسان ضرورتها، وضرورة العمل بها بغير أن يكون هناك نص شرعي. فإذا أشار النص الشرعي إلى أي من تلك المفاهيم فإنما يؤكِّد ويشدِّد على ضرورتها، ويجعل من الله تعالى حامياً لها، ومدافعاً عنها، ولكنه لا يؤسس لها. فهي مشمولة بحضور الله معها، وليست مشمولة بتشريع الله لها. هذا المعنى الروحي في حين أنه لا يسلب العقل استقلاليته في إدراكها، فإنه أيضاً يعطي الفرد والمجتمع دافعاً أكبر نحو العمل لتحقيق تلك المفاهيم، ولإنشاء مثل تلك الدولة.
ولكن لما تم تأخير العقل عن النص، صار العقل منتظراً للنص ليعطيه الإذن بالعمل في هذا الاتجاه أو ذاك. ولما كان النص من شأنه أنه لا يعطي التفاصيل كلها، اعتماداً على العقل وخبرته، وجدنا أنفسنا بعقل ممنوع من العمل، وأمام حاجات لم يفصل فيها النص، وصرنا إما نَتَهِمُ النص بالتقصير، أو نجهد بالتكلُِّف في استخراج دلالات منه، لم يردها ولم يشر إليها.
إن النص أتى لينبه العقل إلى معنى الحياة، ليعطي الإنسان الدافع الروحي في التحرك وفق ذلك المعنى، ثم تركه ليحدد معالم وتفاصيل تلك الحركة، مع شيء من التدخل في قضايا فرعية لا تؤثر على جوهر الحركة، ولا على وجهتها، كما لا تقلل من دور العقل في رسم مستقبله. ولكن الذي حصل في الثقافة الإسلامية هو أن العقل تم إلغاؤه، وحصر دوره في فهم النصوص الدينية، واعتبرت جميع القضايا التي أتى بها النص تأسيساً لأحكام لا يمكن للعقل أن يدرك ضرورة القيام بها بذاته، كما اعتبر أن جميع شؤون الحياة لا بد وأن تنطلق من النصوص لتجد مشروعية لها في الحياة. إن شمولية الإسلام كانت من أنه قدم رؤية تغير من نظرتنا للحياة، فأثار العقول نحوها وطلب من الناس السعي إليها وقدم قيمتها الذاتية قبل قيمتها الشرعية، بحيث يكون السعي إليها أساساً نابعاً من الحاجة الذاتية للأمر، وليس من التشريع الخارجي له. وهذا المعنى الأخير لا بد من بسطه والتوسع فيه ضمن البحث عن الأبعاد الحضارية لمبدأ الحسن والقبح العقليين.
عبدالله حميدالدين فبراير 3rd, 2007
من أبرز عناصر منهج التيار العقلاني بين المسلمين هي ما يلي:
1. أولوية العقل كمصدر للمعرفة:
1.إن العقل هو المصدر الأول والأهم للمعرفة الإنسانية، وكل ما يضاده فهو غير مقبول البتة.
2.وكل ما لا يدل العقل عليه فلا حكم له على الإطلاق.
3.وكل ما يمكن أن يعلم عقلاً فالدين يكون فيه دالاً ومقرراً، يأتي ليثير دفائن العقول باتجاه التفكير فيه، واستكشافه، ولا يأتي ليؤسسه.
على أساس القاعدة الأولى فإنه لا يمكن تفسير النصوص الدينية إلا ضمن إطار ما يقبل عقلاً، فيستثنى ابتداء أي معنى يتعارض مع العقل، ثم يتم تفسير النص لغوياً.
وعلى أساس القاعدة الثانية فإنه لا يصح بناء أي رأي على أساس أنه أمر محتمل عقلاً، بل لا بد من أن يبنى على أساس دليل مباشر من العقل أو من النص. ولو نظرنا من حولنا إلى كثير من الخرافات المنتشرة في العالم الإسلامي، لوجدنا أن من أسس قبولها هو احتمال وجودها أي كونها غير مستحيلة، وليس دليل وجودها.
وعلى أساس القاعدة الثالثة فإنه لا يصح أن نلوم الدين بالتقصير إذا لم يدلنا على القيام بما يدلنا عليه العقل، كما إننا لا نُعفى من مسؤولية ترك ما يدل عليه العقل، لمجرد أن النص لم يدل عليه.
2. أولوية نظام العلل والمدركات الحسية القطعية على النصوص الظنية:إذا تعارضت دلالة دينية ظنية مع دلالة حسية مقطوع بها فإن الأولوية للحقيقة الحسية. مثال ذلك موضوع العين وعلاقته بالحسد، فالمشاهدة الحسية المقطوع بها لا تجد أي علاقة بين العين الحاسدة وبين الواقع المادي من حولنا، فإلى حين إثبات هذه العلاقة بطرق معتبرة فلا بد من نفي هذا الأمر، حتى لو وجدت نصوص ظنية في هذا الأمر.
3. حجية العقل في معرفة الله: الإيمان بأن العقل هو الوسيلة الأساسية لمعرفة الله تعالى، ولمعرفة رسالاته. بمعنى أنه لا يمكن إثبات وجود الله تعالى، إلا من خلال مفاهيم عقلية محضة. كما لا يمكن إثبات الرسالة، وصدقها إلا من خلال مفاهيم عقلية محضة.
وأهم ما يترتب على هذا الكلام أنه يستحيل أن يأتي عن الله تعالى، أو عن رسله أي أمر ينقض المفاهيم التي بها أُثبت وجود الله تعالى. فلا يمكن ـ على سبيل المثال ـ أن يدل القرآن أو كلام الرسول صلوات الله عليه وآله على التجسيم أو التشبيه. كما لا يمكن أن يدل على الجبر وعلى خلق أفعال العباد. وما يتوهمه البعض من وجود ذلك في القرآن فهو ناشئ عن سوء فهمهم لكتاب الله عز وجل.
وأما وجود ذلك في كلام رسول الله صلوات الله عليه وآله فسببه الكذب عليه، أو الخطأ في الرواية عنه، أو سوء الفهم.
وتلك المفاهيم العقلية نوعان:
نوع يستدل به على وجود الله تعالى، وعلى صفاته. وذلك نحو ضرورة مبدأ العلية، ومبدأ استحالة العلل إلى ما لا نهاية.
ونوع يستدل به على حكمة الله تعالى وعلى صدقه. وذلك نحو كون الكذب والظلم والعبث أموراً قبيحة.
4. استقلال القرآن الكريم في دلالته: الإيمان بأن جميع القرآن الكريم يمكن أن يفهم بمعزل عن كلام رسول الله صلوات الله عليه وعلى آله. وعليه فكل ما ينسب إلى رسول الله صلى الله عليه وآله، لا بد من سلامته من معارضته.
ولا علاقة لهذه المسألة بما يثار اليوم حول دور السنة في التشريع. فالسنة قطعاً من مصادر التشريع، ولكننا نفهم القرآن الكريم بالإجمال الذي فيه، وتأتي السنة لتبين المجملات التي لا يمكن إدراكها عقلاً. نحو (أقيموا الصلاة)، آية مفهومة تماماً، وإنما لا نعلم كيفية هذه الإقامة، فنأخذها من سنة النبي صلوات الله عليه وعلى آله. وخلاف هذا القول، هو قول من يرى أن القرآن لا يفهم أصلاً إلا من خلال الآثار، وقد نتج عن هذا القول تفسيرات تغيِّر من دلالة ظاهرة للقرآن الكريم بسبب وجود أثر منسوب إلى النبي أو إلى أحد من صحابته.
5. وجوب معرفة الله تعالى: الإيمان بأن معرفة الله تعالى ومعرفة موقعنا منه أهم الواجبات، من حيث إن هذه المعرفة تتناول أصل وجودنا، وسبب دوامنا، ومعنى حياتنا. وهي أمور تدعو الحكمة لمعرفتها لما لها من آثار على حياتنا اليومية: بوعي أم بغير وعي.
6. حرمة التقليد في أصول الدين: الإيمان بأنه لا يجوز التقليد في أصول الدين على الإطلاق، بل يجب أن ينظر كل مكلف في الأدلة على ما يعتقده وذلك لأن أصول الدين ترتكز على الأدلة العقلية، ولا يحق لأحد أن يتنازل عن استقلالية عقله لصالح عقل غيره على الاطلاق مهما كان.
7. الإيمان بأن العقل من أدلة التشريع في الإسلام: فالعقل يدرك الحسن أو القبح في الأفعال. فإذا جزم العقل بأن في فعل ما مفسدة، وفي فعل آخر مصلحة، حرم الأول ووجب الثاني. وإذا تعارض مُدرك العقل مع دلالة النص، لزم أن يرجح بينهما.
8. حجية النصوص الظنية: لا يجب التصديق بدلالة النصوص الخبرية ـ وهي التي تخبر عن أمر ما ـ ما لم يكن ثبوتها قطعياً، نحو: الملائكة موجودة. ذلك لأنها تحكي عن واقع موجود، وتدعو إلى العلم به، ولا يجب العلم، وجوباً شرعياً يعاقب مخالفه، إلا بما كانت الدلالة عليه قطعية.
وأما النصوص الإنشائية الظنية، وهي نحو الأوامر والنواهي، فيجوز العمل بمقتضاها لأن غرضها تحقيق مصلحة للعبد. وعادة العقلاء الاكتفاء بالظن في تحديد مواطن المصلحة.
9. العبادات شكر لله والتشريعات مصالح للعباد: إن العبادات التي في الشريعة من صلاة وصيام وزكاة وحج وتعظيم شعائر الله ونحوها تؤدى على وجه الشكر له جل جلاله. وأما الشرائع الأخرى فتؤدى لأنها مصالح للعباد. لأن العبادات تؤدى شكراً لله تعالى، فإنه يمكن أن نتصور عدم عمل العقل فيها وفق التفصيل السابق. أما التشريعات الأخرى، فلأنها تؤدى لتحقيق مصالح الناس فيمكن إدراك وجه تلك المصالح.
لوازم المنهج العقلي
من لوازم المنهج العقلي ضرورة الاستقلال في التفكير الذي يؤدي كثيراً إلى وجود تيارات متباينة، بخلاف غيرها من المناهج التي تؤدي إلى استقرار نسبي في التعدد الفكري. بعض هذه التيارات قد تنشأ مضادة للفكرة الأصلية، ولكن لا يمكن أن تستحق تلك الفكرة الأصلية البقاء، وتتطلب التطور إلا بالحرية الفكرية. وأما الفكرة التي لا تستحق البقاء فلا ضرورة للتمسك بها. فإذا كان ثمن الحرية هو التباين فليكن.
وقد يرى البعض أن المنهج العقلاني يؤدي إلى خروج كثير من الناس عن الإسلام، لأن من لوازمه حرية التفكير. وهذا الكلام قد يصح، ولكن لا يمكن أن تعطي الحرية قيمة عليا في أي مجال، إلا وتنعكس عليك في بعض التفاصيل، وهذه طبيعة الحياة، وذلك ثمن الحرية.
إضافة إلى النتائج الكبرى لنحو هذا المنهج عند صياغة رؤية للحياة، فهناك نتائج فرعية تتوخى منها. ذلك أن مقتضى ما سبق يعني أن لا تشيع كثير من الخرافات التي شاعت في المجتمعات المسلمة، نحو ما شاع عن الحسد والعين، والكرامات المعجزة، والأخبار والقصص عن الدجال، وغيرها. فعلى سبيل المثال ينتج المنهج رأياً مفاده أنه لا يجوز أن تقع معجزة لغير الأنبياء، وذلك باعتبار أن وقوع ذلك يفقد الأنبياء اختصاصهم بها، وبالتالي فلا يصح أن نقبل أو نروي كرامة من الكرامات التي تخالف السنن، وتشبه في طبيعتها المعجزات النبوية. كما سيفسر العين أنها كناية عن الحسد والمكيدة، وليست أكثر من ذلك، باعتبار أن المعنى الشائع بين العامة يقتضي أن المشاهدة غير صحيحة، ولا يمكن قبول ذلك. وأما الدجال فباعتبار أن النصوص الواردة فيه قد جعلت له من المعجزات ما لا يمكن أن يمتحن الله تعالى به عباده، أو يظهره على عدو من أعدائه، وعليه فلا يمكن قبول تلك الروايات.
عبدالله حميدالدين فبراير 3rd, 2007
إن بروز الإرهاب كتحد دولي جديد يبدو لبعض الأطراف سبباً وجيهاً يسوغ تجاوز المبدأ الوستفالي القائم على أساس احترام الحدود الدولية، في حين أن أطرافاً أخرى ترى أنه لا يزيد عن كونه عذراً من بين أعذار متعددة تستعملها الدول العظمى ـ بل وغير العظمى في بعض الأحيان ـ لتحقيق جملة من مصالحها، خصوصاً تلك التي تتطلب مخالفة الأعراف والقواعد الدولية.
ومبدأ وستفاليا، والنظام الوستفالي المنسوب إليه، يشير مجموعة من المعاهدات التي بدأ العمل عليها من 1644م وانتهى في 1648م، وأنهت بمجموعها الحروب الدينية في أوروبا بين 1618-1648، أو ما عرف بحروب الثلاثين سنة. ومن أهم نتائج تلك المعاهدات أنها أنهت فعلياً سلطة البابا السياسية، كما عملت على تغيير طبيعة العلاقات بين الدول من علاقات للدين والمذهب دور كبير فيها، إلى علاقات مصالح اقتصادية وسياسية بشكل أساسي. إضافة إلى كل ذلك فقد وضعت تلك المعاهدات بذور مبدأ حرمة الحدود والسيادة للدول، والذي يمنع من تغيير حدود دولة بالقوة، كما يوجب احترام سيادة كل دولة على أراضيها الوطنية، ويقف أمام محاولات أي دولة لممارسة نشاطات داخل حدود دولة أخرى بغير رضا الأخيرة، كما يمنع التدخل في الشؤون الداخلية للدول بأي شكل من الأشكال.
وقد صار هذا المبدأ هو الإطار الذي تتحرك فيه العلاقات الدولية من ذلك الوقت. وتم تعزيزه في أكثر من مناسبة، منها في ميثاق الأمم المتحدة، وفي مبادئ هلسنكي، وعدد كبير من المعاهدات والمواثيق الجماعية، والإقليمية، والثنائية، ومناسبات لا تحصى. ومع ما حصل للعالم من تغير في نظامه بعد الحربين العالميتين، حيث سقطت جميع الأمبراطوريات بكل أشكالها المختلفة، وبرزت قوى عظمى جديدة، وتكونت أشكال مستحدثة من الصراع الدولي، وأساليب غير مسبوقة في التوازنات والتحالفات، إلا أن هذا المبدأ بقي راسخاً.
وقد ارتكز الطرف الذي جعل من الإرهاب سبباً لتجاوز المبدأ الوستفالي على جملة من المعطيات المتداخلة والتي تدل بمجموعها على أنه لم يعد من الممكن التقيد حرفياً بأسس النظام الوستفالي، وإنما لا بد من إيجاد صيغة جديدة تتناسب مع الأوضاع المستحدثة. ويرى هذا الطرف أن أبرز تلك التغيرات تتمثل فيما يلي:
أولاً: سقوط الاتحاد السوفياتي وبروز نظام القطب الواحد، والذي توجد فيه قوة عظمى بمفردها، لا توجد بإزائها أي قوة أخرى توازنها، وتحد من هيمنتها. وباعتبار أن أهم ما يميز النظام الدولي هو التوازنات العسكرية فيه، فإن الخلل في ذلك التوازن سيعني حتماً خللاً في عناصر النظام الأخرى.
ثانياً: التغيير الآخر المهم هو سقوط الحدود التجارية والإعلامية بين الدول، إذ تعقدت مصالح الدول بشكل لم يسبق له مثيل، وصار ما يقع في أطرف مكان في العالم يؤثر على أبعد دولة منه. ولم يعد من الممكن القول بأن المصلحة القومية إنما هي الأرض الوطنية والدم القومي. لقد صارت قضايا البيئة والاقتصاد والاعلام تمتد من الدولة لتتجاوز حدود دول أخرى.
ثالثا: إن الدول لم تعد كما كان الأمر من قبل اللاعب الأساسي في العلاقات الدولية، فقد صارت الشركات المتعددة الحنسيات تمثل دولاً من حيث قدراتها المالية، بل تفوق بعض الدول. وصارت المنظمات غير الحكومية، والمنظمات الإقليمية ذات دور دولي بارز.
رابعاً: التغيير الرابع هو بروز تهديد جديد للدول العظمى ممثلاً بالارهاب. والارهاب وفق هذه الرؤية تهديد ليس له حدود، وليس له مصالح قومية، وليس له رغبة تفاوضية، ولا أي من تلك العناصر التي توجد في الدول، ولكن في الوقت نفسه له قوة كبيرة في ضرب مصالح الدول العظمى وغير العظمى.
ولكن طرف آخر يرى أن النظام الوستفالي لم ينشأ إلا كصيغة توافقية بين مجموعة من القوى السياسية الأوروبية التي لم يستطع أحدها حسم الأمور في الاتجاه الذي يرغبه، وبالتالي، فإن ذلك المبدأ مثله مثل أي مبدأ توافقي لا يملك أي قدرة على الاستمرار في الأوضاع التي تجد فيها القوى السياسية القدرة على تجاوزه. كما يرى هذا الطرف أن الأوضاع التي تضمن بقاء ذلك المبدأ ترتكز أساساً على وجود قوى متعارضة، ومتنافسة، ومتوازنة في قواها؛ وبالتالي فإن غياب ذلك التوازن يعني غياب ذلك المبدأ.
وإن رسوخ المبدأ عبر القرون الثلاثة والنصف الماضية، وخلال التحولات الدولية المختلفة لم يكن إلا انعكاساً لحالة من حالات التوازن بين القوى، وليس حالة من حالات التقدير والاحترام له. بمعنى أن احترام القوى العظمى له كان يعني ضمانا متبادلا منها بعدم ضم دول أخرى إليها، أو على الأقل تقييداً للأساليب التي تستعمل في كسب الأطراف. يظهر هذا جلياً، في مواقف الدول الأوروبية إزاء بعضها البعض، وعلى سبيل المثال مواقفها إزاء كل من فرنسا النابليونية، وألمانيا بسمارك، وألمانيا هتلر، واليابان بعد الحرب العالمية الأولى. لقد قام كل من أولئك بتعد على حدود دولية، ولكن وقفت القوى الأوروبية والأمريكية موقف المتفرج، ولم تتدخل إلا في المرحلة التي وصل فيها التجاوز إلى مرحلة صار يهدد تلك القوى. وإدراكاً من بسمارك هذا الأمر، فقد حرص حين وحَّد ألمانيا، أن لا يقوم بتجاوزات تهدد جميع القوى العظمى الأوروبية، بحيث تتحد عليه. وأما نابليون فقد أخطأ وألب عليه جميع القوى. وكذلك الأمر بالنسبة لهتلر، واليابان. والذي يعنينا في هذا السياق أننا نجد أن الدول العظمى طالما تجاوزت هذا المبدأ بعد وضعه، مهما وجدت إلى ذلك سبيلا، وأن الدول الأخرى، كانت تنظر إلى الجهة الأخرى مهما كان ذلك التجاوز لا يشكل تهديداً مباشراً لأمنها القومي.
وحيث إن التوازن في القوى ارتكز بعد الحرب العالمية الثانية على كل من الولايات المتحدة من جهة والاتحاد السوفياتي من جهة أخرى، وحيث إن مجال الصراع بينهما كان العالم بأجمعه، فإن زوال الأخير منهما زال الضمان العسكري الذي حمى ذلك المبدأ عبر القرون، ولم يبق له إلا التقليد السياسي، والشرعية الدولية، وهي أمور كانت دوماً تضعف أمام المصالح القومية للدول العظمى. هذا مع ملاحظة أن المبدأ هذا تم تجاوزه كثيراً خلال العقود التي شهدت الحرب الباردة، مثلما ما حصل في التدخل السوفياتي في كل من المجر وتشكزلوفاكيا، والتدخل الأمريكي في جرانادا وبناما.
وأما الأشكال الأخرى من التغير في العلاقات الدولية، فمهما اختلف الباحثون حول أثرها على العلاقات الدولية، فإنها جميعاً لا يمكن أن تكون سبباً لعدم احترام الحدود الدولية، وتجاوز سيادة كل دولة على أراضيها الوطنية. وبالتالي فهي لا تعدو كونها أعذاراً للتدخل في شؤون الدول الأضعف.
لقد سقطت بسقوط الاتحاد السوفياتي الحماية للمبدأ الوستفالي، فشرعت القوى العظمى في البحث عن مسوغات أخلاقية لتجاوزه.
وقبل أحداث 11/9، فإن التسويغ الأساسي كان يجد نفسه في مبادئ الليبرالية الغربية، والتي كانت ترى أنه يحق لها أن تفرض قيمها داخل الحدود الوطنية للدول الأخرى، من حيث أنها قيماً إنسانية لا غنى للبشرية عنها، بل ولا شرعية لدولة لا تلتزم بها، وهذا الأمر عرف في بعض الأوساط بالأمبريالية الليبرالية. ومن هنا نجد أن أول تحد فعلي وصريح لتجاوز وستفاليا كان في الكلام المتزايد حول مبدأ التدخل الإنساني، والذي بلغ ذروته في ضرب الناتو لكوسوفو. إضافة إلى ذلك فإن هناك أكثر من تصريح من أكثر من مصدر يبين أن الحدود الوطنية لا يصح أن تكون حماية للقمع الداخلي. منها ما جاء في سياق حكم مجلس اللوردات البريطاني حول قضية بنوشيه في عام 1999، قال اللورد ميللت: ((إن عقيدة حصانة الدولة هي نتاج لنظرية كلاسيكية، ومن الكليشات للقانون الدولي المعاصر هو أن النظرية بشكلها التقليدي لا يمكن أن تستمر بصيغتها الحالية… إن الطريقة التي يعامل بها الدولة مواطنيها ضمن حدودها قد أصبح الآن هما شرعياً للمجتمع الدولي.)). كما نجد هذا المعنى ضمن كلمة ألقاها الأمين العام للأمم المتحدة كوفي عنان حيث قال: ((إن ميثاق الأمم المتحدة يحمي سيادة الشعوب. ولكنه لم يعني أن يكون رخصة للحكومات أن تستهين بحقوق الإنسان والكرامة الإنسانية. إن كون الصراع داخلي لا يعطي الجماعات المعنية أي حق لتجاهل أبسط قواعد السلوك الإنساني.)). إضافة إلى ذلك نجد تصريحاً صادراً عن الحكومة البريطانية 1999م فيه: ((هناك حالات قد تكون فيها ضرورة إنسانية ملحة، وفي ضوء نحو تلك الظروف فإن استعمال محدود للقوة مسوغ باعتباره الوسيلة الوحيدة لتجنب كارثة إنسانية.)).
أما بعد أحداث 11/9، فقد برز الإرهاب كتسويغ جديد. وذلك على أساس أن قاعدة الإرهابي قد تتواجد في دولة وطنية، ولكن قضيته ليست كذلك. ثم إن العاملين فيها موزعون حول العالم، ودعمهم من قبل أفراد غير حكوميين. وبالتالي فإن النظام الدولي المؤسس على سيادة الدولة القومية صار لا بد من تعديله بسبب بروز تهديد دولي من نوع جديد. تهديد لا بد من محاربته على أرض تحت سيادة دول أخرى، وحول قضايا تتجاوز تلك الدولة. وبحكم أن ليس للإرهابي حدود يدافع عنها فإن الردع الذي استعمل في الحرب الباردة لا يجدي، وبحكم أن هدفهم تدمير التماسك الاجتماعي فليس لديهم اهتمام بالوسائل السلمية، أو التنازلات، وهي وسائل التعامل في السياسة التقليدية. بمعنى آخر لا يمكن أن تتحول سيادة الدولة حصناً يحمي الإرهاب.
ومحاربة الإرهاب عذر أقوى من مبدأ التدخل الإنساني، وذلك لسهولة اتهام دولة من الدول زوراً بأنها ترعى الإرهاب، في حين أنه من الصعب اتهامها زوراً بالقيام بتطهير عرقي، أو بانتهاكات جماعية على حقوق الإنسان. ثم إن محاربة الإرهاب تعني بمعنى من المعاني حماية المصالح القومية، في حين أن الدفاع عن حقوق الإنسان، إنما يعني حماية أطراف أخرى مما يضعف حماس الدول له.
على ضوء ما سبق يظهر موقع الشرق الأوسط. ذلك أنه قد جُعل مهد الإرهاب الدولي الجديد، باعتبار أن الخطر الإرهابي اليوم متمثل في الأصولية الإسلامية. وبما أن الشرق الأوسط هو قلب الحركات الأصولية، ومرجعيتها المعنوية والاقتصادية؛ فإن اعتبار الإرهاب مسوغاً لتجاوز مبدأ وستفاليا يعني أساساً تسويغ التدخل في شؤون دول الشرق الأوسط. ولذلك وإن كان الواقع الدولي الجديد يدل على أن المبدأ من حيث هو سيسقط في كل موقع لا توجد حماية ذاتية أو إقليمية أو دولية له، إلى حين بروز توازن دولي جديد، إلا أن المرحلة الأولى من سقوطه ستتجلى في الشرق الأوسط، والدول العربية منه تحديداً.
فهل الحل هو المشاركة في الحرب على الإرهاب تجنباً لتجاوز مبدأ وستفاليا؟ إن ذلك لا يعني إلا تأجيل وقوع المحتوم، فوفق الرؤية السابقة، ليس الإرهاب إلا عذراً، وأما الدافع فأمر آخر تماماً. فطبيعة توزيع القوى في العالم اليوم لا تعطي ذلك المبدأ الحماية المطلوبة له. أما الشرق الأوسط على وجه الخصوص، فإنه قد أعطي سمة أخرى تضاف على كونه مهداً للإرهاب، وهي أنه لا زال في مرحلة ما قبل وستفاليا من حيث طبيعة العلاقات بين دوله، ومن حيث ضعف فاعلية الدبلوماسية الوستفالية فيه، وفق مقولة لكيسنجر. فإذا كان اعتبار وجود الإرهاب مسوغاً غير مباشر للتدخل في شؤون الشرق الأوسط، من حيث أنه تدخل بحجة وجود الإرهاب فيه، فإن تلك المقولة تعني صراحة أن مبادئ وستفاليا لا تنطبق عليه، وجد فيه الإرهاب أو لم يوجد. وعليه فإن استنفاذ الطاقات في محاربة الإرهاب في الشرق الأوسط لن يؤدي إلا إلى إضعاف الجبهة الداخلية القادرة مستقبلاً على مقاومة متطلبات النظام الدولي الجديد. ولا يعني هذا أن نسكت عن الإرهاب والإرهابيين، وإنما مقاومتهم بكيفية متوازنة. فمن جهة يجب أن نمنع التعبير عن السخط بطرق غير مشروعة، وغير مناسبة. ومن جهة ثانية علينا البحث عن آليات بديلة للتنفيس عن الاحتقان الموجود في مجتمعاتنا، والذي يزيد يوماً بعد يوم بسبب جور وظلم الواقع الدولي علينا؛ بل كل ما هو في الأفق ليس إلا مزيداً من الجور وبالتالي زيادة في الاحتقان. ومن جهة ثالثة لا بد لنا من الحفاظ على تماسك الجبهة الداخلية، وإبقاء الروح اللازمة لمواجهة ما هو آت حتماً من السياسات الدولية.