تكون أو لا تكون… هل تلك القضية؟
عبدالله حميدالدين فبراير 3rd, 2007
أغلب، إن لم يكن جميع القراء سيظن وقوع خطأ في العنوان. فهاملت لم يكن يتساءل في عبارته المشهورة وإنما كان يقرر.
نعم! في ذلك الوقت فإن هاملت كان يقرر، ولكنه لو قام بذلك الدور اليوم، أو في أي وقت خلال المائة سنة التي مضت، فإنه وبنفسه كان سيشكك، بل ربما سيتوقف عن تكرار عبارته المشهورة. وأستطيع أن أذهب أبعد من هذا، فأقول وبدرجة عالية من الثقة أنه كان سيستبدلها بعبارة ألصق بالذهنيات السائدة اليوم. عبارة من نحو: “أن تملك أو لا تملك، تلك هي القضية”. وإلا فإنه أن أصر على عبارته الأولى فإنه سينطق ألغازاً لجمهور مؤلف ممن فقد الاستطاعة لأن يستوعب أو يقدِّر مفهوم: “أن تكون”.
لقد أصبحت عبارة “أن تكون” ذكرى بعيدة. شعار تتغنى به المثالية المغتربة عن واقع اليوم، أو المحمية من مآسي الجماهير. أناس يسكنون أبراجاً عاجية مبنية على تأملات سقراط، أو يد سميث الخفية.
أياً كان الأمر، فإن وعي هذا الزمن ومنظومته القيمية قد تم تشكيلهما بيد واقع اجتماعي وأحوال اقتصادية تعظم من شأن شعار جديد هو: “أن تملك” ، وهذا الأمر قد أدى بنا إلى حالة مزرية.
عندما كنَّا نعيش في ثقافة “أن تكون” فإن مسارنا الكوني ـ سواء بطبعه أو بتصميمه ـ لم يكن يتقاطع ما مسار أحد من الناس. كما لم تكن الموارد الكونية لهذا المسار محدودة زمناً أو مكاناً أو كماً. بل إنها لم تكن مشتركة أصلاً. فكل ما كان على المرء إذا ما أراد “أن يكون” هو أن يكون. بكل بساطة. وبالتالي فإن كل من كان لديه وعي كافي اتجه نحو أن يكون، مطلقاً من جميع مشاعر منافسة الآخرين السائرين في المسار نفسه.
مثل هذا الحال ترك صراعات البقاء والمنافسة في دائرة الأمور التي “لم تكن القضية”. أمور مهمة أو تافهة ولكن لم تكون حيوية وفق فلسفتنا للحياة.
ولا داعي لأن أؤكد أنني لا ألمح ولو من بعيد أن الناس والمجتمعات كانت تعيش في سلام ونعيم. كلا! لم يكونوا، ولن يكونوا. فمع أنهم كانوا يفكرون بمنطق “أن تكون” إلا أنهم كانوا يمارسون أعمالهم وفق منهج “أن تملك”. ولعل سبب ذلك هو غياب الجسر بين الفكر والسلوك، الثقافة والحضارة، أو عدم ملائمة النظام الفلسفي الكلي، أو ضعف فاعلية النظام التربوي، أو عجز القيادات الموجودة أو جميع ذلك معاً، أو غير ذلك من الأسباب.
وعليه فقد كان لدينا مجموعتان من الناس. الغالبية التي اختارت خوض معركة البقاء والمنافسة في جبهات “أن تملك”؛ وتلك الأقلية التي اختارت أن لا تلهي نفسها في مثل تلك الترهات. ولكن مع الاختلاف في السلوك بينهما، إلا أنهما اتفقا معاً على أن الصواب والمثالي والنموذجي، كان مع الأقلية، كان مع الفكرة: “أن تكون”.
ثم تغير الأمور بسبب مجموعة من الأسباب المركبة والفوضوية.
لقد كانت كثير من أمراض المجتمع نابعة من سلوك “أن تملك”. ومع ذلك ففي سياق المسافة المتزايدة بين الفكر والسلوك، المثال والواقع، وغيرها من الأسباب، بدا معقولاً افتراض أن الفكر يكون انعكاساً للواقع، بدلاً من أن نقول إن الفكر يشكل الواقع، أو يحاول على الأقل. وبالتالي فقد تكونت ثقافة “أن تملك”، ثم سوغت فلسفياً، ومع الزمن تم مأسستها اجتماعياً واقتصادياً.
وبذلك نشأت أشكال جديدة من العلاقات الاجتماعية.
إن ثقافة “أن تملك” تفترض أن على المرء مد يده ليأخذ. وفي هذه العملية حيث إن الأخذ سيكون حتماً من مصدر مشترك، فإنه من المتوقع تشابك الأيدي، وسيصبح النزع هو الطبيعي. وتتضاعف المشكلة لما نعلم أن موارد “أن تملك” محدودة زمناً، ومكاناً، وكماً. كما لا يمكن أن تتم المشاركة التامة فيها. فما سيأخذه شخص سيؤدي إلى حرمان شخص آخر. فإذا كان كل ما يريده المرء هو “أن يملك”، إذا صارت قضية هملت: “أن تملك أو لا تملك”، فإن ذلك يعني حتماً أن حقيقة ما يريده المرء هي حرمان الآخرين. وعليه فإن كل فرد في مثل هذه الثقافة، بتفكيرهم السطحي، سيكون عائشاً في شعور متواصل من تحدي الآخرين الباحثين مثله عن “أن تملك”.
في هذا السياق تولدت ثقافة أخرى هي ثقافة صراع البقاء، وخلال فترة وجيزة انتشرت الثقافتان محلياً ومن ثم عالمياً.
ولحسن حظ البعض، قبل أن تترسخ تلك الثقافتان تم إنشاء مؤسسة سياسية اسمها الديمقراطية، حيث خففت كثيراً من شرورهما.
ولكن لسوء حظنا ـ نحن القابعين في الركن العربي من العالم ـ فإن تلك الثقافتان قد ترسختا بغير أن توجد إرادة سياسية لتغييرهما أو لتقييد أثرهما المدمر، وأيضاً بغير أن يوجد إطار مؤسساتي يمكن أن يرفع بعض مآسيهما.