محفزات ومحددات الإرهاب: بين الفكر المتطرف وبين الواقع الدولي
عبدالله حميدالدين فبراير 3rd, 2007
جميع الظواهر الاجتماعية لا يمكن إرجاعها إلى سبب واحد دون غيره من الأسباب، وإنما لكل ظاهرة مجموعة من الأسباب المتداخلة. ويمكن أن نلاحظ هذا الأمر في أبسط الأمور من حولنا بشيء من التأمل.
زيادة على ذلك، فإن تأثير سبب من الأسباب يختلف باختلاف الظروف المحيطة به، فما ينتجه سبب في ظرف لا يعني بالضرورة أن يعطي النتائج ذاتها إذا اختلفت الظروف. هذا يعني ضرورة تجنب التعليل الأحادي لأي ظاهرة، كما يعني بدرجة أكثر أهمية، وهو ما يعنينا هنا، تجنب الإطلاق عند الحديث عن أسباب ظاهرة ما، بل لا بد من أن نقيد تأثير سبب ما بما يحيط به من ظروف.
ويتأكد الأمر، أي أهمية عدم الإطلاق، عندما تكون الظاهرة ذات آثار عميقة على الواقع الاجتماعية، مما يعني أن الخطأ في التشخيص، المستلزم أخطاءاً في العلاج، قد يخلق ظروفاً ملائمة لانتاج مجموعة أخرى من المشاكل.
ضمن هذه الرؤية يجب أن نطرح العلاقة بين “الفكر المتطرف” وبين “الإرهاب”. فالعلاقة بينهما جدلية، يؤثر كل منهما في الآخر وينتجه، وذلك بكيفيات متباينة تتنوع بحسب الظروف المحيطة. فكما قد نزعم أن الفكر المتطرف ينتج الدافع للقيام بعمل إرهابي، فإن ذلك الدافع نفسه قد ينتج فكراً متطرفاً ليسوغ وجوده أمام نفسه وأمام غيره. وعليه فلا يمكن اعتبار أن الفكر المتطرف علة تامة للإرهاب، بل من الخطأ أن تحصر العلاقة بينهما بعلاقة آحادية الاتجاه من نحو علاقة العلة بالمعلول.
وبشيء من الاختزال يمكن أن نرسم العلاقة بينهما كما يلي:
إذا اعتبرنا أن الظروف الموضوعية المحيطة بالفرد والمجتمع مستقرة، ومعتدلة، بمعنى أنها تمارس ضغوطاً “طبيعية” ومتوازنة على الفرد، ضغوطاً لا تعمل على سحقه، ولكن في الوقت نفسه، لا تعطيه مجالاً للاسترخاء المطلق والدعة التامة، فإن المتوقع هنا أن يكون للفكر دور قوي، حيث إن المجتمع والإنسان يتصرفان بفاعلية، وهذه الفاعلية ستنطلق لصنع الواقع من رؤية للحياة، أي من الفكر. وهنا سيقوم الفكر بدوره في التحفيز نحو الفعل، كما سيكون له دور أساسي في تحديد الشكل الذي سيظهر عليه الفعل. هذا مع عدم إلغاء أو تقليل شأن الاعتبارات الأخرى الداخلة في خلق الحوافز، وفي تحديد الأفعال الناشئة عنها.
أي في الحالة الطبيعية فإن الفكر يكون محفزاً نحو الفعل، ثم محدداً للشكل الذي سيظهر عليه ذلك الفعل. ولكن تلك الحالة المتوازنة لا تكاد توجد، بل الغالب الأعم، إن لم يكن الدائم، اختلال التوازن بين المجتمع/الفرد وبين الظروف الموضوعية لكل منهما، وبالتالي اختلال دور الفكر في صناعة الواقع. هذا الخلل إما باتجاه الدعة حيث لا يجد كل من الفرد أو المجتمع الضغط الطبيعي الإيجابي المحفز نحو التفكير والفعل. وإما باتجاه خلل السحق وهو حين تتجه الظروف الموضوعية لتكون عامل سحق للمجتمعات والأفراد. ومع الآثار السلبية لخلل الدعة، وما يؤدي إليه من أزمات نفسية، وفقدان لمعنى وقيمة الرفاه إلا أن الخلل الذي المعني به هنا هو خلل السحق، وذلك لأنه الخلل الأبرز في حياتنا اليوم، على كل من المستويين: المحلي والدولي.
ويمكن أن نقول في وصف تأثير “خلل السحق” إنه:
بقدر ما يزيد ضغط الواقع على الإنسان فوق ما هو “طبيعي” ومحتمل، بقدر ما تقل فاعلية الفرد/المجتمع، وتزداد انفعاليته. وبقدر ما تزيد الانفعالية فإنه يقل دور الفكر. ولكن في المراحل الأولى من اختلال التوازن فإن دور الفكر الذي يقل تأثيره هو الدور التحفيزي، بحيث يفقد قدرته التحفيزية، لصالح الانفعالية لدى المجتمع/الفرد، فيصبح الانفعال هو المحفز للفعل، في حين كان الفكر يقوم بذلك الدور. وهذا الأمر يستوي في حالة الفكر المتطرف وغير المتطرف.
ولكن مع التناقص في دور الفكر التحفيزي، إلا أن الدور التحديدي له يبقى، بحيث يظهر الفعل الانفعالي بشكل يتلاءم مع الفكر السائد في المجتمع. ولذلك نجد أنه مع تشابه ظروف كثير من المجتمعات، فإن شكل انفعالاتها يختلف لاختلاف المحددات الفكرية لها.
والضغط في هذه المرحلة، مرحلة تناقص الدور التحفيزي للفكر، هو أساساً سحق في المعيشة، ضغط فوق ما يحتمله الإنسان عادة في أمور حياته المادية، ومهما بقي في هذا الحد، فإنه في الغالب لا يؤدي إلى إلغاء الدور التحديدي للفكر.
ولكن إذا كان الضغط سحقاً للذات، سواء أتى هذا بعد السحق المعيشي، أو قبله، أو خلاله، إذا كان السحق يطال ما يعتز به الفرد/المجتمع، إلى ما يشكل هويته ويعطي له كينونته، إذا وصل الأمر إلى تلك الحالة، فإن الدور التحديدي للفعل سيبدأ بالتناقص، وبدلاً من أن يحدد الفكر شكل الانفعال، فإن الانفعال هو الذي سيأخذ في تحديد شكل الفكر، بحيث يسوغ لنفسه وجوده.
إذن إما يكون الفكر محفزاً نحو الفعل، وإما يكون محدداً للفعل، وإما يكون مسوغاً للفعل. يكون محفزاً حين يسهم في خلق الدافع نحو الفعل. ويكون محدداً حين يسهم في الشكل الذي سيظهر عليه الفعل. ويكون مسوغاً حين يبحث عن تسويغات لظهور الفعل.
على ضوء ما سبق، فإنه عند البحث في تأثير الفكر المتطرف على الإرهاب لا بد من أن الأخذ في الاعتبار طبيعة الظروف الموضوعية التي نحن فيها. بل أكثر من هذا، علينا أن نميز بين مستويات متعددة للظروف الموضوعية تلك، حيث إن لكل مستوى منها تأثير مغاير عن الآخر. فالظروف الاجتماعية على المستوى الأسري، أو تلك على المستوى المحلي، أو تلك على المستوى الوطني، أو تلك على المستوى الدولي، كل منها تمارس ضغوطاً متنوعة على الأفراد وعلى المجتمعات، ولكل من تلك الضغوط آثار ونتائج مختلفة.
ولو سعينا لفهم العلاقة بين الفكر المتطرف وبين الإرهاب ضمن الواقع اليوم ـ محلياً ودولياً ـ لكان علينا أن نسأل:
هل نحن في مرحلة استقرار بين الواقع وبين المجتمع/الفرد؟ بحيث نقول إن الفكر يلعب فيه دوراً أساسياً تحفيزاً، وتحديداً؟
أم أننا في مرحلة ضغوط معيشية بحيث نقول إن دور الفكر التحفيزي قد قل، وبقي الدور التحديدي؟
أم أننا في مرحلة سحق الذات بحيث نقول إننا صرنا ننشئ الفكر الذي يسوغ لنا وجود الفعل، ويسوغ لنا شكله؟
أتصور أننا صرنا بين مرحلتين: مرحلة الضغوط المعيشية ومرحلة سحق الذات. فالواقع اليوم يتسم بعولمة اقتصادية، تتبعها عولمة ثقافية، كما يتسم بقطبية آحادية، تتبعها هيمنة سياسية. والسمتان مجتمعتان صارتا تخلقان لدى الأفراد والمجتمعات أشكالاً من الضغوط الشديدة على المعيشة من جهة، وذلك من خلال السياسات المتعددة الناشئة عن شروط منظمة التجارة العالمية. ومن جهة أخرى على الذات، من خلال أعمال الهيمنة العسكرية والسياسية والثقافية التي تمارس هنا وهناك. يزيد الأمر سوءاً الواقع المحلي بكل أبعاده ومختلف تجلياته. في مثل هذا الواقع فإن الفكر ـ متطرفاً كان أم معتدلاً ـ سيصبح نتيجة وليس سبباً، أو على الأقل الفكر غائب كمحفز. وعليه فلا يصح اعتبار الإرهاب حالة فكرية، بل انعكاساً لخلل في التوازن.
وإذا كان تخفيف الضغط الدولي خارجاً عن سيطرتنا حالياً، فإنه لا مناص من الاتجاه نحو زيادة قوة الأفراد والمجتمعات بحيث نقترب من جديد إلى حالة من التوازن. وأي عمل في غير هذا الاتجاه، أي عمل يقلل من قوة الداخل، سيعني زيادة في سحق الواقع الدولي، إلى أن نصل مرحلة ننتهي فيها، أو نزيد من الانفعالات التي ستخلق لنفسها تسويغات متواصلة.