حالة عمر بن العزيز
عبدالله حميدالدين فبراير 3rd, 2007
ما تتضمنه الذاكرة الجماعية والثقافة السائدة حول الخليفة العادل عمر بن عبدالعزيز رحمه الله يعكس أمرا ذا دلالة بالغة على رؤيتنا لحركة التاريخ من جهة، ولدور القيادة السياسية الفردية فيه من جهة أخرى.
فإذا ما عدنا للنصوص التاريخية المعاصر منها والقديم لنرى موقع عمر بن العزيز فإننا سنجد أنفسنا أمام أمة بقيت لمدة 59 سنة في ظل ملك عضوض، رأت بعدها ومضة برق أضاءت سماءها لوهلة، ولكن لتعود بعدها إلى ما كانت عليه من جور.
ولا تبخل علينا تلك المصادر في تفصيل بعض الجوانب الاجتماعية والاقتصادية والسياسية التي تمخض عنها ذلك الشكل من الحكم، أعني الملك العضوض… وعلى وجه الخصوص تلك المصادر التي تهتم بإبراز دور عمر بن العزيز. فإذا ما عدنا إلى تلك المرحلة فإننا سنجد أنفسنا في مجمتع قابع تحت نير سلطة سياسية غاشمة، جعلت من أفراد الأمة خدماً لها، ولشهواتها، ومن موارد الأمة مصدراً لإشباع نزواتها، ورغباتها. سلطة سياسية كبتت جميع أشكال الإصلاح الذي يطولها، وفي الوقت نفسه فتحت الأبواب على مصراعيها لجميع أنواع التدين الفردي، ثم لم تأل جهداً في إشغال الناس بما لا طائل تحته من مسائل ثانوية، كما شحنت عقولهم بأساطير أهل الكتاب وخرافاتهم.
ويعلم من لديه اطلاع على أحوال تلك المرحلة أن الوصف السابق لحال الأمة في تلك الـ59 سنة فيه من الظلم ما فيه. حيث إنه اختصر ملايين الأنَّات والأهات والحسرات والصرخات التي أطلقتها أفواه وقلوب ومشاعر ودموع ودماء الثكالى، والأيتام، وأباة الضيم. كما صمتت عن السكرات المؤلمة التي عانت منها قيم العدل والحرية والفكر والعلم. ولكن هل للكلمات أن مهما طالت أن تحكي كل وعمق ما وقع؟ وإذا ما حكت فهل في ذلك ما يخفف الآلام؟ أو يغير الواقع؟
في ظل ذلك الواقع المؤلم، يصل عمر بن العزيز إلى الحكم. ولأنه كان شخصية استثنائية، فإن وصوله إلى الحكم كان أيضاً استثنائياً. فالانتقال الطبيعي للحكم كان من سليمان بن عبدالملك إلى أخية يزيد بن عبدالملك حسب وصية عبدالملك نفسه. حيث إنه كان قد أوصى بالخلافة إلى سليمان على أن تكون ليزيد من بعده. ويظهر أن يقظة ضمير مفاجئة لدى سليمان جعلته يقرر أن يكون الحكم بعده لشخص صالح… شخص يقوم بإصلاح ما أفسده هو نفسه وسلفه من قبله. وهذه اليقظات لا يعرفها الحكام إلا آخر عمرهم، بعد أن شبعوا من كثر ما أكلوه، وعافت أنفسهم من شدة عفن ما عملوه… وخصوصاً إذا لم يكن لديهم من يخلفوه. ذلك أن سليمان كان عازماً على جعل ولاية العهد لابنه أيوب، ولكن أيوب هذا مات في حياة أبيه، فأرادها لابنه الآخر محمد، ولكنه لم يكن قد بلغ الحلم بعد. فما كان لسليمان إلا أن يجعلها ليزيد وفق وصية أبيه، أو يجعلها لغيره، لغرض في نفسه. فصرفها عن يزيد، وعن أخيه هشام بدعوى أنهما ((لم يبلغا أن يؤتمنا على الأمة.)). ومهما كان من أمر، فقد جعلت لعمر، ولكن لم يعلم عمر بذلك إلا بعد وفاة سليمان.
ويأتي خبر الخلافة لعمر بن العزيز، وهو في حالة من حالاته الأموية، يتمتع بما ليس له. ولكنه حين يعلم بالمسؤولية الملقاة على عاتقه يحصل له انقلاب نوعي فيتحول من شاب أموي لاه إلى رجل جاد عادل. وتحكي المصادر عن المظالم التي كانت بين يديه يتمتع بها، والتي ردها بعد ذلك إلى بيت المال. كما سعت المصادر إلى أن تجعل لتلك الانقلابة جذوراً في حياته المبكرة حيث كان بخلاف أهله مائلاً إلى الصلاح بعيداً عن الفحش. كما تجد لها جذوراً وراثية، إذ كان حفيداً لعمر بن الخطاب رضي الله عنه من جهة الأم. بل نقلت عنه أنه قال: إن من ولدي رجلا بوجهه شين يلى ، فيملأ الأرض عدلا.
ثم ترسم المصادر التاريخية صورتين متوازيتين حول عمر بن العزيز:
الأولى لشخص عمر فترة خلافته… فتحكي كثيرا من مظاهر زهده، وحرصه على المال العام نحو ما نقله ابن كثير عنه (( فكان يلبس القميص الغليظ المرقوع ولا يغسله حتى يتسخ جدا… وكان يلبس الفروة الغليظة، وكان سراجه على ثلاث قصبات في رأسهن طين ، ولم يبن شيئا في أيام خلافته . وكان يخدم نفسه بنفسه، وكان يأكل الغليظ من الطعام أيضا، وكان يأكل من العدس ليرق قلبه وتغزر دمعته…)) إلخ ما هو مذكور ومسطور.
والثانية: بعض قراراته الجريئة والتي خالف فيها سلفه… أهمها أنه أزال مظالم بني أمية بادئاً بنفسه. فأخرج من أيديهم كل ما أتاهم بغير وجه حق، وأغلظ عليهم في ذلك. كما شدد على عماله، وعزل من عرف بالجور والظلم. ومنها أنه منع شتم الإمام علي بن أبي طالب رضي الله عنه على المنابر في آخر خطبة صلاة الجمعة، وأمر بأن يقرأ مكانها (إن الله يأمر بالعدل والإحسان وينهى عن الفحشاء والمنكر والبغي يعظكم لعلكم تذكرون)، وقد استمر قراءتها إلى الآن.
ثم تحكي بعض آثار وجوده في سدة الحكم على المجتمع المسلم. ولعل أبرز وأشهر صورة هي ما يقال حول الزكاة حيث لم تجد من يأخذها لما أصاب الناس من رخاء بسبب وجوده.
والملفت أن الصور المتوفرة حول حياته الخاصة أكثر من تلك حول التغيرات الحاصلة في الأمة.
وفي كل الأحوال فقد كان من سوء حظ هذه الأمة، أن لم يستمر هذا الحال، إذ توفى رحمه الله… وكما كان مجيئه فجائياً، فكذلك كان رحيله… لقد أتى بقرار رجل، ثم ذهب بقرار من بعض أفراد أسرته التي رأت أنه قد تجاوز الحد في طريقة إدارته للحكم، فسمم. ويقال إنه كان قد وعد بأن يعيد النظر في ولاية العهد ليزيد بن عبد الملك بن مروان. فخاف بنو أمية على ملكهم لو حصل ذلك، فدسوا له السم فمات وهو بدير سمعان من أرض معرة النعمان ودفن هناك بعدما ما حكم سنتين ونصف. لقد كان رحمة الله عليه شمعة أضيئت في ليل عاصف… فسرعان ما أطفأتها رياح الظلم الأموي. ثم عادت الأمور إلى ما كانت عليه، وألغيت جميع القرارات التي اتخذها، وعادت الأمة إلى ما كانت عليه.
ما سبق مجرد إشارة إلى معالم قصة تاريخية أصبحت تمثل الحلم المنشود في قلوب المسلمين عبر مراحل تاريخية متعددة، لدرجة أنها قد نسجت حولها كثير من الروايات والأخبار التي جعلت من حياته ومماته أقرب إلى الأسطورة.
ونحن اليوم، وكما كان غيرنا بالأمس، ننظر إلى تلك المرحلة بكل شغف وشوق، نحلم بعمر بن عبدالعزيز ليخلصنا مما نحن فيه… نحلم بوصول رجل مثله إلى الحكم ليحصل الانقلاب الذي حصل. لتتحول حال الأمة من ذل إلى عز، ومن جور إلى عدل، ومن بلاء إلى رخاء، ومن فقر إلى رفاه.
وفي ذلك الحلم تكمن مشكلة…
إن ما وصلنا، أو ما هو مرتكز في الثقافة العامة، عن قصة عمر بن عبدالعزيز بكل ما فيها من جلال تشوش علينا بعض الحقائق الأساسية حول التغيير المنشود بل والممكن في الأمة المسلمة. ذلك أن القصة تحكي عن انقلابين: إحداهما في شخصه رحمه الله، والأخرى في الأمة.
ولا أريد أن أتناول الانقلاب الذي حصل في شخصه، ولا تفاصيل حياته الشخصية قبل وبعد تلك الانقلابة. فالمعلوم الذي لا شك فيه، أنه وبقطع النظر عن تفاصيل ما نسج حوله من مبالغات، قد جسَّد حاكماً تقياً عادلاً حريصاً على مصالح الأمة. وأما أنه كان يخصف نعله، أو يخيط ثيابه البالية، أو يأكل طعام الفقراء فأمور تفصيلية، ثانوية، لا أهمية لها في سياق الاتفاق على عدله وتقواه. فحتى لو لم تصح كلها فإنها لا تغير من صورته البتة، فممارسات الحاكم في حياته الشخصية أمر لا ينبغي أن يهم الأمة، وإنما ينبغي أن يهمها ممارساته في حياتها، وتجسيده لمثلها وقيمها.
ما أريد أن أتناوله أو أشير إليه هو الانقلاب الثاني الذي حصل في الأمة.
إن القصة جعلت من وصول عمر إلى الحكم السبب الأوحد في تغير الأمة إلى حالة صار الفقر فيها معدوماً. ولما كان شيوع الفقر أبرز وأهم تجليات الظلم، فإن غيابه تماماً يعني ذهاب الظلم. وبذلك يكون مجيء عمر قد أشاع العدل بين جميع طبقات المجتمع، حتى انتفى الفقر بينهم. ثم إن القصة نفسها، جعلت من غياب عمر بن عبدالعزيز سبب عودة الأمور إلى كانت عليه من قبل. وكل ذلك حصل في ظرف زمني لا يتجاوز ثلاثة سنوات، فيها انتقلت الأمة من الجور إلى العدل، ثم من العدل إلى الجور.
إن الأمر كما رسمته المصادر يتجاهل مجموعة من الأمور المتداخلة.
فمن جهة نجد أن فعل الأمة غائب في كل من التغيير من الجور إلى العدل، ثم العودة. فالتغير إلى العدل إنما أمكن بقرار من سليمان بن عبدالملك في تعيين عمر خليفة من بعده، ثم بعزم من عمر بن عبدالعزيز على ممارسة الحكم بالعدل. ولا نجد في خلفية قرار سليمان، أو في ظلال عزم عمر أي حضور للأمة، ولا أي مطالبة منها… والأسوأ من ذلك، فإن العودة إلى الجور إنما كان أيضاً بقرار من بعض بني أمية، بتسميم عمر أولاً، ثم بتولي يزيد بن عبدالملك للحكم، وهنا لا نجد أي أثر للعدل الذي بثه عمر في الأمة. فالأمة لا تقاوم عودة الجور وكأنها حجرة على رقعة شطرنج لا فعل لها ولا رأي. بل وكأنها لم تجد في العدل الذي ذاقته أي محفز لها للحفاظ عليه. فكل ما هنالك وفق هذه الصورة هو تصرف القوى الكبرى في المجتمع، فيتغير الحال بحسب نتيجة الصراع بينها. ولعلنا نجد بعض التجليات المعاصرة لهذه الرؤية في تقييمنا لدور القوى العظمى ـ القوى المحلية أو الدولية ـ في مآلنا اليوم، فنتحدث عن مصائرنا وكأنها مجرد نتيجة لمجموعة قرارات تتخذ من قبل القيادات السياسية العالمية والمحلية.
من جهة أخرى، نجد أن القصة تجاهلت مجموعة مهمة من الحقائق السياسية والاجتماعية والاقتصادية حول التغيير. لقد تم اختصار التغيير في تغير طبيعة القرارات المتخذة من قمة الهرم السياسي… فطبيعة القرارات التي كان يتخذها عمر رحمة الله عليه، كانت تختلف عن طبيعة القرارات التي كان يتخذها سليمان ومن كان قبله، وهذا الاختلاف كان هو السبب في اختلاف حال الأمة. ومع الاقرار بأهمية اختلاف طبيعة القرارات السياسية على الواقع العام للأمة، إلا أن تلك القرارات لا تتخذ إلا ضمن نظام اجتماعي وسياسي واقتصادي موجود سلفاً. ذلك النظام يلعب دوراً بارزاً في تأثير تلك القرارات سلباً أو إيجاباً. فلو كان النظام صالحاً فإنه يحد من أثر القرارات الفاسدة، ولو كان فاسداً فإنه يحد من أثر القرارات الصالحة. ولكن القصة كما تحكى، وكما نفهما اليوم تقوم بعزل قرارات عمر رحمه الله عن النظام التي وجدت ضمنه، ولذلك فإننا وجدنا أنه بمجرد تغير طبيعة القرار فإن الفقر انتفى. وانتفاء الفقر يعني قطعاً انتفاء الظلم الاجتماعي، إذ إن الفقر لا يوجد إلا بوجوده. إن التغيير لا يمكن أن يتحقق بتلك الدرجة إلا إذا تغير النظام القائم من نظام يعزز الجور إلى آخر يعزز العدل، وتغير النظام أعم من تغير الحاكم أو طبيعة قراراته، إنه تغير في طبيعة القيم التي تسود المجتمع، تغير في طبيعة العلاقات الاجتماعية بين أفراده، تغير في طريقة تعامل القوى مع بعضها البعض.
من جهة ثالثة فإن القصة ألغت عامل الزمن في التغيير. فإن التغيير الذي ادعته حصل في ظرف لم يتجاوز سنتين ونصف. هذا الاختصار للزمن يجعل من التغيير في حال الأمة وكأنه مجرد حركة لعصا سحرية يتغير بها الحال من لون إلى آخر. إن حكم عمر لم يتجاوز سنتين ونصف، ومع ذلك يعزى إليه تغييرات جذرية طالت أكثر من نصف قرن من الزمان.
إن وصول عمر بن عبدالعزيز إلى الحكم كان حدثاً مهماً بكل المقاييس، وكان يمكن أن يكون له آثار عميقة على واقع الأمة، ولكن قصر الفترة التي حكمها، وغياب الأمة ، ولكنه لم يكن له الأثر الذي رسمته المصادر التاريخية على حال الأمة. ولو كان التغيير قد وقع فعلاً، لما أمكن ليزيد بن عبدالملك أن يعيد الأمور إلى ما كانت عليه بمجرد وصوله إلى الحكم. إن الفهم السائد لقصة عمر بن عبدالعزيز قد غيب الأمة عن التغيير المطلوب، ثم اختصرت التغيير بتغير طبيعة القرارات المتخذة، وألغت عامل النظام في رسوخ الفساد أو دوام الصلاح، وتجاهلت دور الزمن في حصول أي تغيير جذري.
إن ما أريد قوله هنا هو إننا نجني على أنفسنا لما نعلق الآمال كثيراً على تغير الواقع بمجرد تغير وجهة القرار. إن التغيير يحتاج إلى تغير في القرار، ومشاركة وتضحية من الأمة، وتغيير في النظام السائد بينها، ثم لا بد لنا من الانتظار لفترة زمنية قد تطول المعاناة فيها وتشتد، ومع ذلك كله لا بد من الثقة بحضور الله جل جلاله معنا، ومراقبته لأفعالنا، وإثابتنا على كدحنا.