من وحي كتاب ثراء وفقر الأمم: لماذا البعض غني جداً والبعض الآخر فقير جداً
عبدالله حميدالدين فبراير 3rd, 2007
في القرن الثامن عشر خرج كتاب بعنوان: ثراء الأمم، وواضعه هو الانكليزي أدام سميث والذي يعتبر الملهم لأحد أبرز نظريات الاقتصاد الغربي المعاصر. في ذلك الوقت كان الكتاب، كما يوحي عنوانه، يبحث ـ ضمن غيرها من المباحث ـ في الأسباب التي توصل الأمم إلى الثراء والرفاه.
وآنذاك كان التفاوت في المعيشة بين شعوب العالم محدوداً. فعلى سبيل المثال، في تلك الفترة، لم يزد دخل أغنى دول العالم عن دخل أفقرها بخمس مرات.
اليوم، وبعد ثلاثة قرون من الزمان تقريباً، صار دخل أغنى دول العالم يزيد بـ400 مرة عن دخل أفقر دول العالم!!
إننا اليوم صرنا نعيش في عالم من سماته الأساسية التفاوت الفاحش بين الكيفية التي تعيش بها الإنسانية. فبينما نجد أمماً تنفق شعوبها مبالغ هائلة لتحافظ على انخفاض وزنها ورشاقة أجسامها، نجد شعوباً تعيش من أجل لقمة قاحلة تتقاسمها عدة أيدي، كما نجد أخرى لا تعرف شعوبها متى يكون شبعها.
والمسافة بين الأغنى والأفقر في اتساع مستمر، ولا يلوح في الأفق أي أمل.
في مثل هذا الواقع لا يستغرب أن يخرج لنا كتاب يبحث، ليس عن ثراء الأمم فحسب، وإنما عن فقرها أيضاً. كتاب يحاول إلى يستقصي الأسباب التي أوصلت الشعوب إلى ما عليه اليوم فقراً وغنى، تقدماً وتأخراً. كيف ولم وصلت الشعوب إلى ما هي عليه؟ لماذا صارت الدول الغنية فاحشة الثراء؟ ولماذا الدول الفقيرة كذلك؟ لماذا أمسكت الحضارة الغربية بزمام القيادة في تغيير العالم؟
وهذا السؤال نسأله دوماً: لماذا تأخرنا وتقدم غيرنا؟ وهو سؤال طبيعي أن يطرحه المسلمون لما لهم من سوابق حضارية مبهرة. وقد عالج المؤلف نفسه موضوع تأخر الحضارة الإسلامية في فصل يثير مجموعة من التساؤلات تحت عنوان: هل أخطأ مسار التاريخ؟ ولا شك أن الجواب على نحو هذا السؤال واضح للجميع. كلا!! لم يخطئ التاريخ. وإنما أخطأت القيادات السياسية والاجتماعية والدينية للمسلمين، فأوصلتنا إلى ما نحن عليه اليوم. وتتحمل الشعوب نصيباً كبيراً من مسؤولية ما هي عليه اليوم، ذلك أنها تخلت عن إرادتها، فاستحقت ما وقع عليها.
وللإجابة على السؤال الذي وضع في عنوان الكتاب أسلوبان. الأسلوب الأول وهو الأهم:
نظري: يبدأ بذكر الأسباب التي تؤدي إلى تقدم وتأخر الأمم، مستشهداً عليها من التاريخ، أو من بعض الوقائع الاجتماعية المعاصرة، أو بالبداهة النظرية.
الأسلوب الثاني: يؤرخ لانطلاق الحضارة، وأفولها، وفي خلال ذلك يقدم لنا مجموعة من الأحداث التي يمكن من خلالها استخلاص مجموعة من النظريات حول تقدم وتأخر الشعوب. ونحو هذه الكتابة الأخيرة، لا بد وأن تنطلق من أرضية نظرية بنحو ما، لأن لا يمكن لكاتب أن يؤرخ لحدث إلا ولديه معايير تحدد له الأحداث التاريخية التي لا أهمية لها، والأحداث التي لها أهمية.
الكتاب الذي بين أيدينا أخذ بالأسلوب الثاني، فهو يؤرخ بشكل مفصل إلى حد ما لصعود الحضارة الأوروبية، ويشير خلال ذلك إلى أفول الحضارات الأخرى، بما في ذلك تأخر دول أوروبية كانت في القمة نحو أسبانيا. ويلمس القارئ له الجهد المبذول فيه، ومجرد الاطلاع على لائحة المراجع التي اعتمدها الكاتب، والتي أخذت سبعين صفحة من صفحات الكتاب، قد تكون مؤشراً محدوداً لذلك الجهد. ومع ذلك فالكاتب لا يدعي إلا أنه مقاربة في الإجابة على مثل ذلك السؤال.
والكتاب عموماً مرجع تاريخي جيد، ولكن القارئ قد يجد أن بعض الأحداث التي فيه تستحق اهتماماً أكثر من غيرها، بسبب تقاطعها الملفت للنظر مع واقعنا المعاصر. أحداث سلبية نجدها تتكرر اليوم، وتقوم بنفس أو بعض ما قامت به في الأمس. وأخرى إيجابية نجد أنفسنا نجتهد في عدم تكرارها، وإعادة صنعها، بل ونقاوم من يعزم على القيام بذلك. أحداث تحكي جزءا من أسباب ما نحن فيه اليوم، بل ولعلها تنبئا بما سيؤول أمرنا إليه. وبعضها أحداث بسيطة، وفي بساطتها يقع عمق تأثيرها. وكم تغير مسار الشعوب بسبب حدث، يرى المطلع عليه بعد حدوثه أن صانعه كان غافلاً للغاية أو غير ذلك من النعوت.
وقد استعرض لنا الكاتب بعض الاجابات السريعة على ذلك السؤال. فينقل عن البعض إجابات من نحو: الأوروبيون أذكى، وأكثر تنظيماً، ومجدون في عملهم، وأما الآخرون فكانوا جهلة، مغرورين، كسولين، متأخرين، خرافيين. كما ينقل نمطاً آخر من الإجابة نحو: الأوروبيون كانوا عدوانيين، بطاشين، طماعيين، منافقين، وضحاياهم كانوا سعداء، أبرياء. وآخرون يكتفون بأن يقولوا إن دول أوروبا ركبت موجة التقدم الذي صنعته حضارات سابقة.
كما أشار إلى رؤية جغرافية في الإجابة على ذلك السؤال، فبين لنا كثيراً من التفاوت في الظروف الطبيعية للدول الغربية مقارنة بالدول الفقيرة. ولكن بمجرد ما أن يتجاوز القارئ الحديث عن هذا التفاوت، وبمجرد ما أن يطلع على الأحداث التي تتابعت حتى ينسى تلك الإجابات الاستعلائية، أو “التواكلية”، أو الجغرافية، ويشعر أن السبب يعود لعوامل تتجاوز كل ذلك، عوامل يقع في عمقها وقلبها العامل الثقافي.
فالكاتب يبدأ برسم صورة لأوروبا في القرن العاشر الميلادي. وهي صورة كئيبة للغاية، لواقع مرير خرج للتو من معاناة طويلة من الغزو، والدمار، والهلاك من الأعداء من كل جهة. صورة لا يمكن للمرء أن يجد فيها أي ملامح لأمة انطلقت فيما بعد لتحكم العالم أجمع.
ولكنه في الوقت نفسه يشير إلى مقومات أساسية وجدت آنذاك، عليها ارتكزت الحركة الحضارية لتلك الشعوب، وبها تقدمت، حتى وصلت إلى مرحلة استطاعت فيها أن تتجاوز ذاتها لتسيطر على العالم. هذه المقومات يجدها الكاتب في الثقافة الشعبية آنذاك التي كانت تمجد مبادئ الحرية، والمشاركة السياسية، وقداسة حق الملكية، ورفض التبعية المطلقة، كل ذلك من خلال قصص، وأساطير، وأخبار تجد جذورها في الحضارة اليونانية. ويرى الكاتب أن هذه الثقافة الشعبية حمت الشعوب الأوروبية من أن تتحول إلى شعوب مسحوقة، لا يمكنها أن تتخذ قرارها، ولا أن تصنع تاريخها، بالرغم من فترات طويلة ساد في أوروبا وضع ساحق. وعلى أرضية تلك الثقافة الشعبية تم إحياء الحضارة اليونانية في أوروبا بمبادئها السياسية والأخلاقية، ومن ثم بدأت نهضتهم.
أختتم الكلام بقصة أوردها الكاتب، وقد يكون فيها بعض المبالغة، ولكنها تحكي واقعاً نلمسه كثيراً.
في تلك الفترة يحكى أن أهل بلخ تعرضوا لهجوم من قبل بعض البدو فترة غياب حاكمهم في حرب مع الهنود. وقد قاوم أهل البلدة بشدة، واستبسلوا، دفاعاً عن أنفسهم، وأملاكهم، وأملاك حاكمهم، ولكنهم هزموا أخيراً. لما عاد حاكمهم استطاع أن يستعيد البلدة من أولئك البدو. ثم لما عرف بسلوك أهل بلدته وبَّخهم، قائلاً لهم إن الحرب ليست مهمتهم. إن مهمتهم الوحيدة هي دفع الضرائب، والخضوع لمن حكمهم أياً كان. فما كان من وجهاء البلدة إلا أن اعتذروا على فعلتهم هذه ووعدوا بأن لا تتكرر.