صراع الأفكار وذهنية الاستهلاك

عبدالله حميدالدين فبراير 3rd, 2007

يمكن القول أن “السطحية في التغيير” من أبرز المشكلات التي لم تستطع المجتمعات العربية تجاوزها منذ “عصر النهضة”. فالتغيير الذي أصابنا على مختلف المستويات وعبر التيارات الأيديولوجية المتباينة، إنما كان في المظهر والشكل فحسب. وأما الأسس التي يرتكز عليها الكل في تعاملهم مع الواقع وهي القيم والانطباعات فتكاد تكون هي نفسها، بقطع النظر عن التنوع الشكلي الموجود بين تلك التيارات، على مختلف الأصعدة السياسية والاجتماعية والاقتصادية.
إننا نملك الطرق والمباني والطائرات وأجهزة الاتصال والحواسيب وغيرها من مظاهر مادية، كما لدينا مؤسسات تعليمية، وحكومية، واقتصادية، وغيرها من المظاهر غير المادية. وأصبح تقييمنا لأنفسنا يستند بدرجة عالية إلى تلك المظاهر والشكليات، دون الالتفات إلى المضمون القابع والمستتر خلف تلك المظاهر، حيث حمى ذلك المضمون ذاته من نفاذ نظرات التأمل التي كان يجب أن تخترق حجبه الكثيفة. بل وصل الأمر إلى أننا بتنا نقيس درجة حضارتنا وتقدمنا من خلال معيار قدرتنا على استهلاك ثمار غيرنا من الحضارات المنتجة للتقدم. وأما واقع الحال، فلا يمكن لنا أن نقول إن أرقى مدينة عربية بكل ما فيها من مظاهر مادية وثقافية متقدمة حضارياً على إحدى مدن أفريقيا السوداء. بل قد نجد في بعض الحالات مجتمعات لا تملك من الشكل شيئاً، ولكنها من حيث المضمون أغنى وأثرى مما نحن عليه.
إن جميع مجتمعاتنا ـ المحافظة منها أم الليبرالية ـ لا زالت كما كانت؛ تستورد أشكال الحداثة دون أن تستوعب مضامينها. فمع جميع المظاهر التي لدينا، لنا أن نتساءل: هل مصدر المعرفة عندنا العقل والعلم أم التقليد؟ هل الحقيقة تتأسس على التجربة والممارسة العقلية والتفكير المنطقي أم أنها تخضع لاعتبارات تتنافى مع ذلك كله؟ هل حكوماتنا تخضع للقانون أم لإرادة الفرد؟ هل استطعنا أن نوازن بين حسابات ومتطلبات العلاقات الأسرية وسلطة التقاليد القبلية والعشائرية وبين متطلبات المسؤوليات العامة والقيم المهنية؟ هل تخلصنا من الخرافات السائدة بيننا قروناً من الزمان؟ هذه الأسئلة وغيرها تظهر لنا بجلاء أننا لم نبرح مكاننا منذ عقود.
إن المظاهر التي تخفي ما بنا من تخلف حضاري لها ثلاثة أوجه:
1.مادي محض، نحو الطرق، والمباني، والتقنيات، والخدمات المتوفرة وغيرها من الوسائل التي أخذناها ـ وبشيء من التشويه ـ من حضارات غيرنا، فاستبدلنا بها واقعنا السابق الذي خلى منها.
2.ووجه مؤسساتي: يتجلى في المؤسسات التي استجلبناها سواء كانت مؤسسات سياسية من نحو السلطات الثلاثة التنفيذية والتشريعية والقضائية والعلاقة بينها، أو اقتصادية من نحو أنظمة البنوك المركزية والتجارات الدولية، أو اجتماعية نحو المؤسسات المدنية وغير ذلك.
3.ووجه ثقافي يبرز في رفع شعارات فكرية حديثة ذات منطلقات علمانية غربية باختلاف ألوانها ودرجاتها، في مقابل الشعارات التقليدية القائمة أساساً، والتي يمكن اعتبارها شعارات دينية في محصلة الأمر مهما تنوعت.
وبشيء من التأمل، سنجد أن التباين بين منطق الآخذين بأحد تلك الشعارات يخفي من ورائه وحدة تقودنا إلى ساحة فكرية تجمع الحداثي، والشيوعي والملحد والعلماني والإسلامي والصوفي و…إلخ فنحن إذاً أمام شخص اعتباري واحد يتنوع في مظهره بحسب الظرف الذي يملي شروطه عليه في حين جمود عقلية تعامله مع الواقع .
ما سبق كان لأننا ومنذ “عصر النهضة” لم نكن أصحاب مدارس فكرية مستقلة، بل لم نستطع الاقتراب من تلك الاستقلالية، فغاية ما قمنا به هو استنساخ أفكار ورؤى وأدوات “الآخر”. وفي المقابل يوجد اتجاهٌ رفَض “الآخر” محدثاً قطيعة معه، ولكن تاه في ماضيه ليبحث عن حاضر له. والجميع نزل رؤيته وقناعاته المستنسخة على واقعه دون إعادة إنتاج لها وفق رؤية ذاتية خالصة ومعالجات خاصة من شأنها أن تكون منطلقاً تأسيسياً في تشكيل مدارس فكرية تتسم بالأصالة والمعاصرة في آن واحد وتنطلق من رؤيتنا لواقعنا، وتفاعلنا الايجابي معه.
ونتيجة لذلك أصبحنا بين سنديان طرف تقليدي تابع للماضي بشكل مطلق يكبِّل الإرادة والإبداع باسم الأصالة والتدين، ومطرقة تقدمي تابع للمنظومات الحضارية الغربية ، يكبلهما باسم الحداثة والدخول إلى العصر. ولكن كليهما لا يقدم للأمة ما تحتاجه هي بل ما كان ” نافعاً ” لغيرها . إضافة إلى أنهما يقيدان حرية العقل، مع اختلاف سطحي في الأسلوب. فأحدهما يقيده لصالح عقل التقليدي وما يمثله من استيعاب تام للتراث بكل مشكلاته، والآخر لصالح عقل المنظر الغربي وما يمثله من قوة حضارية مادية وفكرية قاهرة. ومن دون شك فالتقدمي، وخصوصاً الغربي منه، سوف تكون له جاذبية أكبر على المدى البعيد، وبالتالي يقل بالتدريج عدد من يتعاطف مع التراث المتعلق بأهداب الماضي ، ليس بسبب قوة طرح التقدمي، وإنما بسبب ضعف نموذج التراثي الماضوي.
وفي كل الأحوال فإن الأمر في عمقه يستوي بين انتماء إلى نمط ثقافي تقليدي أو إلى نمط ثقافي حديث، والفرق بينهما يتجلى في أكثر من قضية من أبرزها ” ذهنية الاستهلاك “، فيتحول الصراع الفكري من صراع يراد منه تقديم فلسفة حياتية يمكنها أن تدفعنا نحو خلق واقع خاص بنا، إلى صراع حول مقدار ما يجب أن نستهلكه من الحضارات الأخرى . والشواهد على هذا تتعدد، ولا أريد أن أخص خطاباً دون آخر بالإدانة قدر أن أشير إلى جوهر المشكلة ، وللمراقب أن يتابع مظاهر المطالبة بالأصالة، وتلك التي تدعو إلى الحداثة، وينظر إلى أي حد يشكل المظهر النتيجة النهائية المطلوبة لكل طرف من الأطراف.
نعم! هناك حالات فردية كثيرة تجاوزت الواقع الذي هي فيه، وسعت لأن تفكر خارج حدود ما رُسِم لها، وعملت على تجاوز الأسوار المضروبة على عقولها وعقول غيرها، ثم سعت في نقل مشاهداتها إلى من سواها لرفع مستوى إدراكهم إلى سماوات الوعي . وهذه حالات لا تنتمي إلى تيار دون آخر، بل تتوزع عليها جميعاً، كما تتناقض فيما بينها كثيراً، ولكنها في نهاية الأمر محاولات جادة لتجاوز الشكل والنظر في العمق . ومع ذلك فقد ظلت حالات عزلها واقعها، واكتفى جمهورها بأن أخذ كل منهم الشكل الثقافي الملائم له، تاركاً ما سوى ذلك.
وبناء على ما سبق، فإن تقييمنا لأي صراع فكري بين أطراف متعددة يجب أن يستند أولاً إلى تقييمنا لمدى العمق الذي وصل إليه كل طرف في الانسجام مع فكرته. فبذلك فقط نستطيع التمييز بين الأفكار المتصارعة وذهنية الاستهلاك.

عنوان المتابعات | خلاصات التعليقات RSS

أكتب تعليقاً