وقفة مع أسباب العنف ضد الأبرياء

عبدالله حميدالدين فبراير 3rd, 2007

الأحداث التي استهدفت أبرياء في العالم العربي تترك أي تفسير أو تحليل أو حتى محاولة متابعة في حالة من الإرباك الشديد. فالأفكار تتسابق في محاولة منها لأن تسبق أحداثٍ أسرع، وإذ تتسابق فإنها أيضاً تتصادم وتفقد التنظيم ويحصل الارتباك. وما يخشاه المرء أن تبقى الأفكار متأخرة عن الأحداث، بحيث غاية ما يمكنها هو أن تصف الحدث بعد وقوعه، دونما أن تسبق الحدث بحيث يمكن للفعل المسؤول أن يقف حائلاً دون وقوع المصيبة.
إن الوحشية الإسرائيلية في فلسطين ما كل ما تخلقه فينا من رفض وسخط إلا أنها تقع ضمن العنف “المعقول”، هذا إذا صح لنا أن نقول إن العنف معقول من أصله. إنها وحشية تقع من عدو، وهذا يكفي لفك اللغز حول سبب وجوده. أما العنف الآخر فهو يقع من الأخ وابن العم وابن العشيرة وابن القرية وابن الوطن. في العنف الآخر فإننا أمام لغز محير. ما هو الذي يحول من هو مِنَّا إلى عدو لنا؟
لا يعني هذا السؤال أننا نبرر العنف الواقع، فلا يوجد مطلقاً ما يمكن أن يبرر عنفاً يستهدف الأبرياء. ولكن مجرد التفكير في إيقاف العنف بدون البحث عن أسبابه غير معقول، بل وغير ممكن.
إن النظر في تاريخ حركات عنف مثل الجيش الجمهوري أو منظمة إيتا أو الجيش الأحمر أو غيرها من الحركات التي استهدفت الأبرياء، إن تاريخها يدل بوضوح على أنه يمكن لعدد بسيط قد لا يتجاوز المائة يمكنه أن يطال عشرات الآلاف بالقتل أو الضرر.
أيضاً يدل ذلك التاريخ على أن القدرة الاستخبارية وحدها لم تكن كافية في منع تسليح حركات العنف، كما لم تكن كافية في وقفه. وعلى سبيل المثال استطاع الجيش الجمهوري أن يعمل عقوداً من الزمان بالرغم من كل القدرات الاستخبارية والأمنية المتوفرة بين يدي الحكومة البريطانية.
لقد ولدت حالة من العنف لم تشهدها المنطقة، ولا يمكن أن توأد نهائياً إلا بمعرفة أسباب ولادتها الأصلية.
وقد قرأنا جميعاً عن الكثير من تلك الأسباب التي أظهرتها دراسات ومتابعات لحركات العنف في الدول المختلفة. فسمعنا عن نفسيات إجرامية لدى المنفذين، أو إيديولوجيات تزكي العنف مطلقاً، أو ردود أفعال لأوضاع محلية اقتصادية أو اجتماعية أو سياسية، أو ردود أفعال لأحوال إقليمية تمس الفرد في عمق وجدانه، أو صراعات بين مراكز قوى محلية أو إقليمية أو دولية.
وعند تحليل هذه الأسباب وغيرها، وعلاقتها بالعنف القائم علينا تجنب بعض أخطاء يجدها المرء هنا وهناك.
من تلك الأخطاء التي نمارسها هي التبسيط في التحليل، حيث نرجع هذه الأحداث إلى سبب واحد دون غيره. واختيار سبب دون آخر يعود غالباً إلى أغراض التوظيف السياسي للآلام التي تصيب الأبرياء. فنجد أنفسنا في أكثر من حالة أمام محللين لديهم “أجندات” خاصة لتصفيات حسابات سياسية ضد خصومهم. ويتحول التحليل من محاولة في الفهم إلى محاولة في السياسة، ومن خطاب إدراك إلى خطاب إعلام.
ويجد مثل هذا التحليل الآحادي صدى لدى كثير من الناس بسبب بساطته، في حين أن علينا أن ندرك أن أي حدث اجتماعي مهما كان لا يمكن أن يُرجع إلى سبب واحد فحسب، بل إلى مجموعة من الأسباب المتفاعلة.
وإذا ما أغضضننا النظر عن بشاعة استخدام آلام الغير لخدمة أجندات سياسية خاصة، فإن مثل هذا التصرف يؤدي إلى أمرين معاً:
1.من جهة يفقدنا الرؤية السليمة لفهم المشكلة كما هي، وبالتالي نفقد القدرة على حلها والخلاص منها.
2.ومن جهة أخرى، فإن “تسييس الفهم” غالباً ما يؤدي إلى تغذية الأسباب المولدة للعنف لما يسببه من استفزازات أو يؤدي إليه من قرارات.
وبالتالي فإن تلك التحليلات لها دورها غير المباشر في استمرار دوامة العنف وفي تغذيتها.

ومن الأخطاء الأخرى التي تُمارس هي الكلام عن الدوافع لدى مخططي العنف، ومموليه، ومنفذيه وكأنها مشتركة ومتجانسة. في حين أن الواقع قد يختلف. فقد يكون لمخطط أو ممول ما دوافع ونوايا سياسية محضة، ولآخر دوافع اقتصادية ولغيره مجرد انتقام أو إجرام. هذا في حين أن منفذاً ما قد ينطلق من مثاليات وهمية، وغيره من إحباطات متتالية، وآخر من يأس من الحياة بما فيها، ورابعاً من الإيمان بضرورة الموقف الذي هو عليه.
وبالعودة إلى الأسباب المؤدية للعنف، سنجد أننا أمام خطأ من نوع آخر. ذلك أن الكثير يتكلم وكأن الآثار الناتجة عن الأسباب ثابتة، في حين أن تأثير الأسباب يختلف باختلاف المحيط الذي يوجد فيه السبب. وعلى سبيل المثال لو أخذنا الأيديولوجيات التي تدعو أو تزكي العنف، فإننا سنجد أنها وحدها وبذاتها لا تنتج العنف نفسه الذي تنتجه لو وجدت في محيط فيه سخط سياسي أو حرمان اقتصادي. فالعنف الذي تنتجه في حالة الرخاء السياسي والوفرة الاقتصادية غالباً ما يكون لفظياً أو غير دموي، وإذا ما تجاوز الأمر إلى الحالة الدموية فإنه يكون غالباً طفرات فردية ولا يتحول إلى تيار وجماعات. في حين أن حالة عدم الرخاء السياسي والحرمان الاقتصادي تجعل من تلك الأيديولوجية نفسها وقوداً أساسياً لتغذية تيار أو جماعة عنف كثيراً ما تكون دموية. فالأثر عن تلك الإيديولوجية اختلف باختلاف الظرف الذي وُجد فيه. عدم التنبه لهذا يعني أن رد فعلنا نحو تلك الإيديولوجيات قد يكون هو نفسه المؤدي إلى تفريخها العنف، وإخراجها من حالة الكمون إلى حالة الفعل.
خطأ آخر نمارسه هو الخلط بين السبب والشرارة. فالشرارة تخرج السبب من الكمون إلى الفعل. هي أشبه بعود كبريت صغير يمكن أن يؤدي إلى حرق غابة بأكملها. والخلط يجعلنا نركز جهدنا على إطفاء الشرارة أو الكبريت في حين أن دوره لا يتعدى إشعال النار. فقد يكون السبب الكامن هو تراكم القهر والسخط لأسباب اقتصادية وسياسية، والمنتظر أي شرارة من أي جهة تقوم بإشعاله وتحويله إلى مولد للعنف. وقد تكون الشرارة صراعات سياسية محلية أو إقليمية، كما قد تكون غيرها. وأياً كان الأمر، فإن علينا التمييز بين ما هو وقود يبقى مغذياً للعنف، وبين ما هو ثقاب كبريت ينتهي فعله بمجرد قيامه بدوره.
أياً كان الأمر، فإن الغرض المشترك بين جميع العقلاء هو إنها العنف، والقضاء على أسبابه بحيث لا يعود للظهور مرة أخرى. وما دام كان هذا هو الغرض فعلينا التأمل كثيراً قبل الإقدام بأي خطوة. إننا نمشي في طريق ملغومة، ومجرد الجري فيها بسبب الخوف من الوقوع على لغم لا يعني إلا مزيد من الانفجارات.

عنوان المتابعات | خلاصات التعليقات RSS

أكتب تعليقاً