الغائب في موضوع المرأة
عبدالله حميدالدين فبراير 3rd, 2007
طرح الأسئلة هو بصعوبة وضع الإجابات، بل أصعب في بعض الحالات.
موضوع المرأة يحتل مكانة كبيرة في هذه الفترة لدوافع سياسية واجتماعية واقتصادية وحقوقية ومعرفية. ولا شك أن اختلاف الدوافع سيعني اختلاف نوع الطرح عمقاً وأصالةً، لأن كل طرح سيكتفي بتحقيق الدافع له. ويُلاحظ أن التوجه العام للحوارات والبحوث التي تتناول المرأة خصوصاً في منطقة الخليج هو نحو وضع حلول. أي إنها افترضت سلفاً وجود مشكلة عامة للمرأة تتلخص في حرمانها من حقوقها وانتقاص إنسانيتها. ثم إنها افترضت أيضاً تجليات تلك المشكلة ضمن دائرتين هما: حرمانها من المشاركة في الحياة العامة، والتضييق عليها في حياتها الخاصة. مقدمة مع ذلك حلولاً تنوعت بتنوع الخلفيات والاجتهادات والمصالح؛ أو منكرة وجود مشكلة ما من أصلها.
ما يجب أن يضاف إلى تلك الحوارات والبحوث، أو يتقدمها، هو معالجة الأسس الفلسفية والمعرفية لموضوع المرأة. وذلك بأن تدرس ماهية مشكلة المرأة، وتحدد آليات المعالجة بالاستناد إلى أسس معرفية واضحة ومتينة، بحيث يمكن على ضوء ذلك وضع الأسئلة وبيان مشروعيتها.
والواقع هو غياب نحو هذه الأسئلة، أو على الأقل قلة حضورها.
إن القضايا المشكلة تُعالج بأسلوبين: أولهما وفق الكيفية التي تُظهر المشكلة نفسها لنا. وثانيهما وفق الكيفية التي نحن نرى المشكلة. المعالجة بالأسلوب الأول غالباً ما تكون انفعالية، وغير مطردة المنهج والأسلوب ومتغيرة بتغير الظروف. المعالجة الثانية تكون فاعلة، ذات استقرار وثبات نسبيين.
المعالجة الثانية لا تتأتى ما لم يكن هناك تفلسف وتجريد. التفلسف يضع الأسئلة التي علينا أن نجيب عليها، ويحدد المنهج المعرفي الملائم لتناولها. والتجريد يضع تلك الأسئلة في شكل بنيان ذهني مجرد يمكن تصوره بحيث يتأتى علاجه.
والمعالجة المنظمة لمشكلة المرأة في تجارب الحضارة الغربية تعود إلى منتصف القرن التاسع عشر. أي لدينا تجربة يزيد عمرها على قرن ونصف. في تلك التجربة نجد أنه بالقدر الذي كان هناك نشاط عملي لتحرير المرأة، فقد كان في المقابل نشاط آخر نظري يعمل على تحديد طبيعة مشكلة المرأة. ونجد في تلك التجربة أن تطور البحث النظري كان له مساهمة أساسية في صياغة الحلول التي قدمتها الأنشطة العملية. ولا يعني هذا الموافقة على النتائج التي توصلوا إليها، أو حتى الاختلاف معها، وإنما الإشارة إلى أن مساري التنظير والعمل يجب أن يسيراً معاً.
غياب مثل هذه الأسئلة يكاد يكون عاماً من خطابات النخب والمفكرين وقادة الرأي والمهتمين بقضايا المرأة، بل حتى في بعض المؤتمرات والندوات التي قامت لتؤصل واقع المرأة، وتعزيز دورها في المجتمع والتغلب على المشكلات التي تواجه مسيرتها سواء في المجتمعات الإسلامية أو العربية. إننا نسمع ونقرأ عن طروحات لقضايا تتناول الحقوق والواجبات الشرعية للمرأة، وأخرى تتناول المرأة والعمل، وأخرى المرأة والتعليم، وأخرى المرأة والمجتمع؛ ولكن لا نجد ما يتناول مفهوم “المرأة” نفسه، أو تحديد “هوية المرأة” التي نريد معالجة مشاكلها، أو تحديد لمفهوم “المشكلة” من حيث تحديد متى تكون قضية ما مشكلة، وعلاقة ذلك بالسياق الظرفي اجتماعياً، واقتصادياً، وسياسياً. وهذه قضايا من الأهمية بمكان وتفتح للبحوث في قضية المرأة آفاقاً غير منظورة.
مناسبات متعددة وفريدة لوضع معالم في طريق معالجة قضايا المرأة، ومع ذلك يفوت كثير منها طرح الأسئلة الجوهرية تلك. ولا أجد تسويغاً لذلك الغياب إلا ضيق الآفاق للمادة النظرية المقبول طرحها، أو النفور التقليدي لكثير من الباحثين عن التأسيس النظري.
إن كلمة “امرأة” في الخطاب العام البسيط لا تعني أكثر من الأنثى. أي ذات مضمون بيولجي محض. وهو مضمون يعالجه علماء الأحياء معالجة مناسبة. أما في السياق الاجتماعي فإننا نتناولها من أبعاد مختلفة تماماً. إنها أبعاد قد تبدأ من المضمون البيولجي ولكنها لا تنتهي عنده قطعاً. فالواقع الاجتماعي يضيف على ذلك المضمون البيولوجي مجموعة من المعاني. فهي الأم، والبنت، والزوجة، ورقيقة البنية، والعاطفية، وأيضاً “الآخَر” بالنسبة للرجل، كما إنها “آخَر” بالنسبة لنفسها ولغيرها من الهويات الاجتماعية. تلك الأبعاد الاجتماعية تفرض طرح أسئلة جديدة لدى فئة من المفكرين حيث يرون أنه لا بد من تناول تلك المعاني واحدة واحدة، وتحديد أياً منها يقدم مشكلة خاصة بالمرأة البيولوجية، وأياً منها مشترك بين المرأة البيولوجية وبين الرجل البيولوجي، وأياً منها يعتبر مشكلة للمرأة، وأياً منها يعتبر مشكلة لكل رقيق بدن، ولكل عاطفي، ولكل طفل… إلخ. في حين أن هناك فئات أخرى لا ترى في وجود تلك الأبعاد ما يوجب إعادة النظر إلى الأسئلة المطروحة حول موضوع المرأة.
أياً كان الموقف الصائب، فإن الاختيار لا بد أن يستند إلى البحث الواعي، إلا أنني أرى أن تحديد هوية المرأة ذات قيمة مركزية. فالهوية هي الأساس في تحديد مصالح الذات، وأيضاً في تحديد الدور المتوقع من تلك الذات. ولا يصح لنا أن ننطلق من التحديد الأنثوي للمرأة عندما نريد أن نتناولها من بعدها الاجتماعي. لا يمكن تحديد هوية المرأة من خلال وجودها البيولوجي إلا إذا كنا نريد أن نجري بحثاً بيولوجياً. وأما إذا إذا أردنا أن نصنع معرفة اجتماعية فلا بد من تحديد هويتها من خلال وجودها الاجتماعي، وهو وجود يختلف قطعاً عن البيولوجي.
إن ما سبق يحوِّل السؤال “من هي المرأة؟” من سؤال بديهي في ظاهره إلى إشكالية بذاتها. إشكالية مستقلة عن كل حديث عن مشاكل المرأة، ولكن في الوقت نفسه تؤسس لكل الأبحاث الاجتماعية عن المرأة.
أيضاً فإن لتحديد هوية المرأة دوراً أساسياً في تحديد الآخَر بالنسبة لها. والآخر من المفاهيم الأساسية التي توضِّح لنا المتوقع من التفاعلات الاجتماعية. وهناك جدل كبير حول ما يمكن أن تتضمخ عنه العلاقات بين الذات وبين الآخر من: علاقات صراع بينهما، إلى علاقات إلغاء، إلى علاقات تكامل. كما يمكن أن تكون العلاقة من علاقات التكوين التبادلي حيث يسهم الآخر في صناعة الذات، وتسهم الذات في صناعة الآخر في علاقة دائرية تارة تنطلق من نقطة لتعود إلى ذاتها فتعزز ما هو موجود من هويات وعلاقات، أو في علاقة حلزونية حيث لا يتم البدء والانتهاء من نقطة واحدة، وبالتالي تكون الهويات والعلاقات في تغير مستمر. مهما كان الأمر، فإنه لا بد من تحديد للآخر بالنسبة للمرأة. لا بد من معرفة ذلك الآخَر الذي علينا أن نحدد العلاقة بينها وبينه. هذا الآخر وفق رؤية تلقائية هو الرجل، ولكن هذه الرؤية التلقائية قاصرة، وتقدم مشكلة بذاتها. لماذا نعتبر أن المرأة آخَرها الرجل؟ ولماذا نعتبر أن آخَر الرجل هو المرأة؟ هل هو التعريف البيولوجي لكل من الرجل والمرأة؟ أم هل هو الاعتقاد بضرورة الاشتراك بين الذات والآخر في المحدد الأساسي للهوية؟ وبالتالي فإننا لما اعتبرنا أن محدد هوية المرأة هو بيولوجي، افترضنا أنه لا بد من أن يكون آخَرها محدداً بيولوجياً أيضاً. في كل الأحوال يبقى السؤال قائماً: من هو آخَر المرأة؟ الرجل؟ أم الأقوى؟ أم الثقافة؟ أم التاريخ؟ المجتمع؟ بل هل تكون المرأة آخر المرأة في علاقة جدلية بين الذات ونفسها؟ أم كلهما معاً ولكن في سياقات مختلفة؟
أسئلة لا أدعي إجاباتها ولكن أرى أن طرحها لازم. إننا نتكلم عن واجبات المرأة، وعن حقوقها، وعن المساواة من أجلها، وعن حرية المرأة، وعن إطلاق القيود عليها، وهذه كلها لا معنى لها إلا بمعرفة الآخر الذي عليه مراعاة حقوقها، والآخر الذي نحوه واجباتها، والآخر الذي تتساوى معه، والآخر الذي يسلبها حريتها، والآخر الذي يقيدها. غياب تلك الأسئلة من ذهنية أي باحث في قضية المرأة يعني غياب معيارية مطردة في تحديد ما يصح وما لا يصح بالنسبة للمرأة.
ويلاحظ أن أغلب تلك الاطروحات انطلقت من اعتبار أن الحرمان والتقييد والسيطرة وتضييق الآفاق تمثل الإشكاليات الأساسية التي تعاني منها المرأة. والخلاف كان في تحديد ما ينتمي إلى تلك الأمور مما لا ينتمي. ومع أنه لا يختلف أحد على ما تفرضه تلك الأمور من معاناة على المرأة، إلا أن النظر إليها من حيث “إنها مشكلة ولا بد من حلها” أمر آخر تماماً. إننا لا نحل المشاكل منطلقين مما تقدمه من معاناة، وإنما منطلقين من فهم لما وراء تلك المعاناة من بنى وهياكل اجتماعية. إن مشكلة المرأة تتجاوز كل تلك الأمور لتصل إلى طبيعة البنية الاجتماعية، والمضمون الثقافي للمجتمع. وهذا أمر يتم التنبيه إليه ولكن لا يتم التوقف عنده وجعله محوراً بذاته. ذلك إن التعامل مع البنى التحتية أو مع المظاهر يمثل منهجين مختلفين في كثير من القضايا الاجتماعية، وطرح هذه القضية كمحور بحث مستقل ضروري إذا ما أردنا أن نقدم للمناهج المختلفة المتصورة في معالجة أمور المرأة. ويأسف المرء من أن كثيراً من الأبحاث كررت عبارات وشعارات صارت مستهلكة وتحولت إلى قضايا ثقافة عامة، في حين ابتعدت عن قضايا مركزية وجوهرية.
من الأمور المهمة أيضاً التي تظهرت في الخطاب العام هي كونها انطلقت في تحديدها لما تعانيه المرأة من خلال وعيها بما يمتاز به الرجل. وهذا الأمر بذاته يقدم مشكلة لبعض الدارسين. ذلك أنهم يرون أن أي مطالبة لحقوق المرأة بالاستناد إلى ما هو مسموح للرجل يعتبر بذاته انتهاكاً لحقوقها، وإن جعل الرجل منطلق مقارنة هو بذاته تقييد لها. إن المرأة كائن مستقل، تستحق حقوقها من ذاتها، لا من خلال ما يُمنح لغيرها. هذه الرؤية قد نتفق عليها، كما قد نختلف حولها، ولكن طرحها على بساط البحث مهم لأنها تقوم بتغيير جذري لما نراه ظلم وحرمان وتقييد وتضييق بالنسبة للمرأة. فوفق تلك الرؤية فإنه سينظر إلى ما تستحقه المرأة انطلاقاً من هويتها هي، ومن ذاتيتها هي، ومن الإمكانات الكامنة فيها هي. وهذا يعني فتح آفاق للمطالبات قد تتجاوز ما هو ممنوح للرجل نوعاً وكيفاً وكماً. إنها ستفتح آفاقاً تركز لا على ما حرمت به المرأة مما مُنِح للرجل، وإنما على ما حُرمت به مما كان يمكنها أن تتمتع به.
من القضايا الأخرى البارزة التي لا تجد الاهتمام اللائق بها هو أحد أبرز العناصر السلبية في الرؤية الاجتماعية القائمة نحو المرأة. فما يؤسف له أن كونها رمزاً أو أداة إغراء تبقى السمة الألصق بها. ومع وجود بعض التعليقات المتفرقة حول هذا الموضوع هنا وهناك، ومع انطلاق بعض كتابات وأطروحات من ذهنية ناقدة لمثل هذه الرؤية السلبية للمرأة، إلا أنه لم يتم التعامل معها كمشكلة أساسية لا بد من تجاوزها أو على الأقل إبرازها صراحة إلى ساحة البحث والحوار العام. وهذه قضية ذات أهمية بالغة، ولا تتسم بما تتسم به القضايا السابقة من صبغة فلسفية أو تجريدية.
أيضاً مما لا يتم إبرازه بالقدر الكافي هو إننا نتعامل مع مشاكل المرأة ضمن ذهنية مضمرة ترى أنه يوجد تميز واضح بين مجموعتين في المجتمع: مجموعة النساء، ومجموعة الرجال. هذه الذهنية كأنها تفترض أن كل النساء يعاملن بالطريقة نفسها، وفي المقابل كل الرجال لهم تلك الامتيازات نفسها. أو كأنها تفترض أن الكون امرأة أو الكون رجلاً يفترض ممارسات محددة، والواقع خلاف هذا. ولعل التأمل في هذا النوع من الطرح سيوصلنا إلى أنه يخلق قضية أخرى. وذلك أنها تعزز الهوية الأنثوية للمرأة لأنها المشترك الوحيد بين جميع النساء من مختلف الخلفيات والمجتمعات. وسيتم تعزيز تلك الهوية باعتبارها الهوية الأساسية التي تمتلكها المرأة، بحيث تكون هي الهوية المهيمنة هي بقية الهويات التي تكتسبها المرأة في حياتها. وإذا صارت الأنوثة هي الهوية الأساسية فإنه يؤدي إلى رفع قيمة كل ما يتعلق بها على حساب أمور أخرى. وفي تصوري هذا مما يعزز التفكير عن المرأة باعتبارها رمز إغراء.
قضية أخرى لا أرى أنها تجد الاهتمام التي تستحقه هو التمييز بين القضايا التي تعاني منها المرأة بحسب أكثر من تصنيف. هذه التصنيفات تساعدنا على تحديد القضايا التي فعلاً تختص بالمرأة من حيث هي أنثى، وتلك التي تختص بالمرأة من حيث انتمائها إلى فئات اجتماعية أخرى. وهو تحديد ذات أهمية لكل من يريد أن يخطط لعلاج مشاكل المرأة بدقة وفعالية. من هذا الأمر التمييز بين المشاكل ذات أصول ثقافية والتي تتعلق بالانطباعات المشتركة عن المرأة ودورها وما لها وما عليها، وتلك ذات الأصول التشريعية والتي تتعلق بالتكيفات الشرعية أو القانونية للقضايا التي تخص المرأة، وتلك التي تتعلق بخصائص النساء الفردية أو بشخصياتهن وخصوصاً من حيث تعاملها مع سوء المعاملة. أيضاً هناك التمييز للمشاكل وفق السلوك البارز فيها، أو وفق الدوافع خلف السلوك، أو الإطار التي وقعت فيه، أو المثير لها، أو التسويغات المقدمة، أو الوضع الاجتماعي، أو العوامل المديمة للمشكلة.
قبل الختام، تجدر الإشارة إلى أن السائد الاعتقاد أن مشاركة المرأة في أي حدث عام يعد بذاته هدف ونتيجة، وكلما كانت نسبة المشاركة مرتفعة كلما اعتبر الأمر نجاحاً وانجازاً. ولكن بالنظر فيما سبق من أسئلة يظهر أن المشاركة مهما علت نسبتها لا تعني بذاتها أي شيء. إن قيمة تلك المشاركة، وبل قيمة كل خطوة من الخطوات التي تتخذ لا يمكن تحديدها قبل البحث الجاد في مثل ما سبق من قضايا.
أخيراً، إننا نعمل كثيراً على تغيير واقع المرأة ونفكر في أساليب ذلك، ولكننا قليلاً ما نفكر في ما يجب أن نعمله عندما نريد أن نغير من واقع المرأة، ولذلك نجد أنفسنا نعالج مظاهر دون معالجة ما وراءها من بُنى. وأنا أتصور أن في البنى تكمن المشكلة حيث توجد بنية اجتماعية، وثقافة فردية واجتماعية، تدفع نحو الإساءة للأضعف واستغلالهم.
ولا يعني هذا توقف العمل على تغيير المظاهر التي تخلق حالة معاناة للمرأة، بل لأي كائن. وكثير مما هو مشاكل مرأة إنما هي مشاكل إنسان.