تحويل المرأة إلى رمز للإغراء
عبدالله حميدالدين فبراير 3rd, 2007
في مقالة اطلعت عليها هاجم الكاتب النساء اللواتي يقفن ضد دعوات تحريرهن. واعتبرهن من النساء الكارهات لأنفسهن. كارهات لأنفسهن لأنهن لا يردن ما يريده لهن من يدعو إلى تخفيف القيود عليهن، القيود التي فرضت عليهن باسم الدين، والعادات والتقاليد. وذكرني هذا بما قرأناه في التاريخ عن العبيد(عبيد الدولة أو عبيد الأفراد) الذين قاتلوا بجنب أسيادهم دفاعا عن عبوديتهم، هذا وهي عبودية واضحة وصريحة ولا لبس في الذل المرافق لها، وليس لها أي مشروعية عقلا ولا دينا ، ولكنها أيضاً كانت عبودية ترفع كثير من المسؤوليات والهموم، فالحرية تأتي معها المسؤولية.
ويا ليت أن موضوع تحرير المرأة من قيودها كان بهذا الوضوح … يا ليت أن الكل يتفق على تحديد ما هو قيد يجب فكه، وبين ما هو صون أو رعاية يحسن إبقاؤه. ولذلك في حين تجد هذا الطرف يسمي هذا قيدا لا بد من فكه، تجد في الطرف الآخر من يعتبر أن التحلل من ذلك الأمر هو قيد بنفسه.
وأياً كان الرأي الذي نميل إليه، فعلينا تجنب الأساليب الخطابية الاستثارية التي تحرك المشاعر دون أن تتفاعل مع العقول. علينا أن نعالج الموضوع وفق منهجية علمية لا نتناقض معها لنصل إلى أقرب ما يكون من الصلاح والخير للأمة.
أيضاً وبقطع النظر عن وجهتنا، فإن علينا أن نعمل معاً في فك قيد أظن أن الكل يتفق على وضعه في خانة القيود. قيد يعزز يومياً باسم التقدم وباسم الحضارة، ولكن في الواقع لا هو حضارة ولا هو تقدم، وإنما هو استغلال وانتفاع من أصحاب رؤوس أموالٍ لا هم لهم سوى زيادة إيراداتهم.
فكما نريد أن نخرج المرأة من الإطار الضيق التي تحولت فيه بظلمٍ إلى فاقدة للإرادة وإلى قاصرة تحتاج إلى ولاية… وفق رؤية ما؛ وكما نريد أن نخفف عن المرأة تبعات الحياة ومسؤولياتها، ونصونها من نظراتٍ وكلماتٍ بعيدة عن العفة… وفق رؤية أخرى؛ فإننا أيضاً نريد أن نخرجها من إطار آخر وهو أنها مقيدة الشخصية والعقل بسبب تحولها إلى رمز للإغراء.
ووفق مشاهدتي المحدودة فإن كلا التيارين وإن كانا يعملان على تحرير المرأة من كثير من قيودها، إلا أنهما يقصران في معالجة هذا القيد. فـ”تيار التحرير” يشدد على القيود التشريعية على المرأة، وربما على الحجاب وأحكامه، وعلى بعض القضايا الاجتماعية العرفية؛ والتيار المحافظ ـ إذا صح التعبير ـ يشدد على صون المرأة وحجابها، ودفع الشبهات، وإبقائها في ولاية أبيها ثم زوجها.
وقد يقول قائل: إن بعض التيار المحافظ يعالج موضوع تحول المرأة إلى رمز للإغراء من خلال تشديده على قضية الحجاب، ومن خلال تأكيده على أن السفور هو سبب أساسي لتحول المرأة إلى نحو ذلك الرمز. وفي تصوري فإن تلك المعالجة بعيدة البعد عما هو مطلوب، بل لعل معالجتهم تلهيهم عن النظر في المشكلة كما هي فعلا.
فمعالجة التيار المحافظ فيها خللٌ، وهو أنه يضع ملازمة بين السفور وبين تحول المرأة إلى رمز للاغراء. وهذه الملازمة غير صحيحة على الاطلاق. ذلك أن كون المرأة رمز للإغراء حالة ثقافية لا علاقة لها بمظهر المرأة في المجتمع، سافرة أم محجبة. ولا أشك في أن استخدام المرأة للإغراء يسهل جداً إذا كانت سافرة، ولكن يمكن أن تكون المرأة كذلك حتى لو كانت محجبة ومستورة في باطن الأرض عن أعين الرجال. فالنظرة إلى المرأة على أنها رمز للإغراء، أو أنها أولاً إغراء، ثم كل شيء يأتي بعد ذلك، حالة ثقافية لا بد من معالجتها على أنها كذلك من خلال تغيير نمط التفكير عن المرأة، لا من خلال ستر المرأة وإبعادها من أعين الرجال. وهي حالة سائدة في المجتمع العربي والغربي على السواء، وتتعزز يوما بعد يوم بفعل الدعاية التي تعكس أذواق الناس من جهة، ومن جهة أخرى تشكلها وتكيفها.
ولذلك قلت إن معالجة تحول المرأة إلى رمز للإغراء من خلال موضوع الحجاب قد يبعدنا عن حقيقة المشكلة، وقد يبقي تيار التحرير من الحجاب، وتيار ابقاء الحجاب، في حلقة بحث حول موضوع لا أقلل من أهميته، ولكنه حجمه لا يرقى إلى المشكلة التي نحن بصددها. فالخطر الأكبر بيننا اليوم ليس في السفور، كما إنه ليس في الحجاب، ولكن الخطر عندنا بقاء ذلك النمط من التفكير. وذلك لأن ذلك النمط يعطل قيمة العقل والتفكير والأخلاق لدى أهم عنصر في المجتمع، ويبرز قيمة المظهر الخارجي الأصيل منه أو المضاف(المكياج). ولنتصور تربية مجمتع ـ ذكورهم وإناثهم ـ معتمدة على أمهات من هذا النوع. ولا أقلل هنا من أهمية عناية المرأة أو حتى الرجل بمظهرهما، وإنما أقف ضد اعتبار المظهر أساساً قيمياً بذاته.
ولا شك أنه مع مواجهة ذلك النمط من التفكير، فإننا لن ننفي عن الرجل بشريته، فهو لن ينظر إلى المرأة كما ينظر إلى الرجل، وكذلك المرأة لن تنظر إلى الرجل كما تنظر إلى المرأة، ولكن فرق بين أن تتأسس العلاقات الاجتماعية بين الجنسين ضمن بيئة تعزز رمزية المرأة الإغرائية، وقيمتها من خلال جسدها، وبين أن تكون تلك العلاقات ضمن بيئة تشدد على قيمة الخلق والعقل والذات عند المرأة وعند الرجل على السواء.
ختاماً أنا أرى أن سلوك المرأة وحرية تصرفها قد قيد فعلاً وكثيراً بسبب فهم محدد لبعض النصوص، ولكنني أيضاً أرى أن عقلها يتم تقييده يومياً بقيود أخطر، وذلك من خلال التشديد على قيمة مظهرها وجسدها، وهو قيد له آثار بعيدة وخيمة.