الحلم والحالمون

عبدالله حميدالدين فبراير 3rd, 2007

إن الحالم هو من يستطيع أن يتعلق بحرارة، وعاطفة قوية، وينجذب بشدة، إلى واقع يتجاوز الواقع الذي هو فيه إلى واقع جديد مستبعد وفق نظرة أولية للمعطيات الموضوعية. وبذلك فالحالم حكماً لديه القدرة على رؤية النور من بين حجب الظلام التي التفت حوله بفعل عوامل مثل الجهل والفقر والظلم. وهذان الأمران ـ التعلق والرؤية ـ مما يختص بهما قلة قليلة من الناس.
والحالمون هم قادة التغيير في أي مجتمع. وأقول قادة بالمعنى الدقيق للقائد، أي من يعطي للناس أفقاً يتوجهون نحوه. وأما من يأمر وينهى، فليس بالضرورة أن يكون قائداً.
والحالمون أيضاً هم أول أتباع القادة، لأنهم يرون ما يراه القادة.
ثم بعد الحالمين فإن ما يبقى لدينا هم ((همج رعاع أتباع كل ناعق يميلون مع كل ريح لم يستضيئوا بنور العلم ولم يلجأوا إلى ركن وثيق)). وعلى يد أولئك يكون وأد الأحلام، والمفارقة أنه على يدهم أيضاً تتحقق الأحلام.
ولا بد من أن نميز بين حالم وخيالي.
الحالم هو من يحلم بعقل. والخيالي من يحلم بلا عقل.
إن الصفة الأساسية للحالم قدرته على التعلق العاطفي بواقع غير واقعه..
والـمُتعلَّـق به هو ما يميز الحالم عن الخيالي.
فالحالم يتعلق بالواقع الذي يلي واقعه بخطوة او خطوات.
ولذلك فالحالم يكون قائداً لأنه يستطيع أن ينقل غيره من الناس من واقعهم إلى الواقع الجديد من خلال قناة الإيحاء العاطفي، والاقناع العقلي. والنقلة هذه غير ممكنة إلا إذا كان الواقع المراد نقل الناس إليه قريب من الواقع الذي هم فيه.
ولذلك فإن من يغير الواقع هم الحالمون وليس الخياليون. لأن الأول يحلم بالمستبعد ولكن الممكن. وأما الخيالي فيحلم بالمستحيل ضمن الظروف الموضوعية القائمة.
ونخطيء لما نظن أن شرط الحالم أن يتعلق بما لا يمكن.
الحلم لا بد من أن يتجاوز الواقع، ولا بد من أن يتحداه، ولكن الحلم يتجاوز الواقع إلى الواقع الذي بعده، إلى المرحلة التي تلي هذا الواقع، وأما الخيال فيقفز مراحل بعد الواقع التالي.
فالحالم له قدرة النفاذ إلى المستقبل، والتعلق به. والحالم العاقل يستطيع أن يحدد النقطة التي يقف عندها ويتعلق.
وخيرهم من يجمع بين الخيال والحلم.
فيكون له خيال، ويكون له حلم. خيال بواقع يتجاوز كل الممكنات، ولكن عمل لتحقيق الحلم، مع تحين الفرص التي قد تأتي لتنقل الخيال من المستحيل إلى المتناول.
ثم إن الحالمين أنواع: فهناك من يحلم فحسب، وهناك من يحقق حلمه.
وتحقيق الحلم من أصعب الأمور. ليس فقط للتحديات الموضوعية أما الحالم، وإنما لأن عملية تنزيل الحلم نفسها تحتاج إلى توازن دقيق بين الحلم وبين الممكن الموضوعي.
فالحالم يجب أن يفكر متجاوزاً إمكانياته ومتجاهلاً تحديات ظرفه. وأما التنزيل فيتطلب معرفة الممكن والظرف والواقع ومراعتها جميعا.
وفقدان الحلم فقدان الدافع لتجاوز الواقع. وفقدان معرفة الممكن يؤدي الى فقدان القدرة على تجاوز الواقع.
ثم إن الحالم لا ينتظر التغيير ولكنه يصنعه. ولذلك لا يوجد في قاموس الحالم كثير من العبارات التي تشيع بين مجتمعه، نحو ((الضوء قادم لا محالة)) ، أو ((لا يصح إلا الصحيح)) الحالم واقعي، ويعلم أن الضوء لن يقدم، وأنه لن يصح الصحيح. ويعلم أن قوى الظلام وقوى الشر تعمل ضد هذا، وإذن فهو يؤمن أن عليه هو أن يأتي بالضوء، ويرى أن الصحيح لا يصح، وإنما يصحح.
ولذلك فأول شرط الحالم، الحالم الحقيقي هو أن يؤمن بنفسه. أن يؤمن بما آتاه الله من قدرة على الخلق والإبداع والتغيير. أن يؤمن بأن النفخة الإلهية إنما هي الإرادة والقدرة على الفعل والخلق والإبداع والتغيير.
وبغير هذا الأخير يبقى الحلم مجرد عبارات شعرية لا مضمون وراءها.

عنوان المتابعات | خلاصات التعليقات RSS

أكتب تعليقاً