الثقافة الدينية والواقع المعاصر
عبدالله حميدالدين فبراير 3rd, 2007
ليس خافياً ما تعانيه أمتنا. فقد سادنا الفقر، والجهل، والظلم، والاستبداد. وقد تخلينا عن الفعل واستسلمنا للانفعال. ثم أصبحنا نقتات على فضلات خصومنا وأعدائنا. وفقدنا مع كل ذلك أسباب الحياة، والتأثير على مصيرنا فضلا عن مصير غيرنا. كما صرنا نمارس أخلاق الكذب والنفاق والخيانة والحسد والبغضاء. لقد تخلفت أمتنا عن حركة الإنسانية نحو النمو الاقتصادي، والرفاه المادي، والقيم الاجتماعية، والنظام السياسي العادل والمعبر عن إرادة شعوبها. ونحن نصبح ونمسي حالمين بحياة كريمة حرة، بحرية القول والتفكير، بالمساواة أمام القانون، بحق الحماية المشترك، بحق المشاركة في القرارات التي تؤثر على حياتنا وحياة من نعول، بحق امتلاك مستوى معيشة لائق صحياً وغذائياً وملبساً ومسكناً، بحق التعلم. نعم!! لا زلنا نحلم بكل ذلك، إلا قلة قليلة. هذا كله في حين أن المسافة بيننا وبين الغرب في ازدياد متواصل. وفي مواجهتنا معه خلال الـ200 سنة على التي مضت فإنه لم يزدد إلا قوة، ولم نزدد إلا ضعفاً. ويزداد المرء منا حسرةً لما يدرك حجم الدور الذي قمنا به نحن في خدمة الإمبريالية، وفي تدمير بنيتنا الأخلاقية والاجتماعية والاقتصادية والسياسية.
إننا اليوم، وكما كنا بالأمس، وكما يشعر كل واحد منا، بحاجة إلى أن نتحرك إلى الأمام، غير مغترين بمظاهر الحضارة لدينا، حيث إنها مظاهر تتحرك نحونا، ولكننا لا نتحرك نحوها، أو نحو الأسس التي تنشئها. نحن نستقبل العصر، ولكن لا نتقدم إليه. ولذلك نجد إننا تلفيقيون في حلولنا، وغاية ما نطمح إليه في كل مرحلة مختلفة إنما هو من جهة التكيف نفسياً وفكرياً مع هذا المارد القادم الذي لا ينتظر إذناً ليقتحم حياتنا، ويسيطر على جميع مناحيها؛ ومن جهة أخرى حسن تطبيق نتائج تجربته السياسية والاقتصادية والاجتماعية. ولكننا كثيراً ما نغفل عن الأسس الفكرية التي أنشأت الحركة الحضارية للمجتمع الغربي.
لقد عاش الغرب التخلف قروناً من الزمان، ثم لما تخلص مما كان يكبل حركته، أنتج حضارة متلائمة مع هويته، وظروفه التاريخية. ونحن اليوم إنما يجب أن نشدد على التخلص مما يكبل حركتنا، لنتحرك وفق هويتنا الخاصة، وظروفنا التاريخية المختلفة لننتج واقعنا المتقدم المتناسب معهما. هذا الواقع الذي سنصل إليه قد يشابه ما وصل إليه الغرب، وقد يختلف عنه، ولكنه في نهاية الأمر سيكون واقعاً نملكه نحن، سيكون واقعاً مستمداً أساساً من حركتنا، وفي الوقت نفسه يقدم لنا ما نريده لأنفسنا ولمن يلينا من الأجيال. ولا يعني هذا عدم الاستفادة من بعض أو كل ما أنتجته الحضارة الغربية من أدوات سياسية واجتماعية واقتصادية وغيرها، ولكن لتكن استفادة من يتحرك، وليست استفادة من يستقبل؛ استفادة مجتمع وجدت لديه تلك الروح المحركة نفسها التي وجدت لدى الغرب حين انطلق، تلك الروح التي منحته أسس الفاعلية، وأزالت من فوقه مسببات الانفعالية. تلك الروح التي تشكل أرضية لا غنى عنها لنجاح جميع المشاريع الاجتماعية والاقتصادية والسياسية. فالخطوة التي يجب أن تتقدم استيراد المنتجات الحضارية هي خلق الروح المحركة لمجتمعنا.
ولكن لما كانت تلك الروح تستمد وجودها بل وأيضاً فنائها من طبيعة الثقافة السائدة، فلا بد لنا أولاً وقبل شيء، النظر في هذه الثقافة وما تقدمه لنا من عناصر محركة، أو مثبطة، لنعزز من الأولى، ونتخلص من الثانية. والثقافة السائدة قد تكون دينية مستمدة من فهمنا النصوص الدينية، كما قد تكون غير ذلك مستمدة من تجربة المجتمع، وتأملاته الخاصة. ولكل منهما تأثيره على حركة المجتمع، ولكن يبقى للعناصر الدينية التأثير الأكبر، والأقوى. هذه الميزة في التأثير مستمدة من حيث أنها تمتلك قداسة تعطي فكرتها أثراً مضاعفاً سلباً أو إيجاباً، هذا من جهة. ومن جهة أخرى لكونها تقدم للإنسان رؤية للعالم ولدوره فيه، ولهذه الرؤية دور كبير وأساسي في أي حركة حضارية.
ووفق ما سبق فالمطلب الأول لخلق الروح المحركة هو النظر في فهمنا للنصوص الدينية، وما في ذلك الفهم من عناصر مثبطة أو معززة في هذا المجال. وما يؤسف له أنه وجدت ضمن مفاهيمنا الدينية مجموعة من المثبطات الحضارية التي كان لها دور حاسم في الحد من طبيعة حركتنا الحضارية. بعض هذه المفاهيم لم يعد لها حضور في الثقافة الدينية العامة، وأخرى بقيت محافظة على موقعها ودورها في تشكيل الواقع اليومي للمسلمين إلى اليوم. ولا مناص لنا إذا ما أردنا التقدم أن نبدأ بها، تقييماً وتصحيحاً، لأنه بغير ذلك، فسيبقى وجودها معيقاً لجميع الخطوات التي نحاولها خروجاً من محنتنا.
ومثالاً لهذا النوع من المفاهيم ستتم الإشارة إلى بعضها مع ذكر آثارها السلبية؛ هذه المفاهيم هي ما يتعلق بـ:
1.التقليد: ويقصد به تقليد الرموز في القضايا الدينية الأساسية التي تتعلق بإيماننا بالله وعلاقتنا به جل وعلا، وفي تحديد المصالح والمفاسد. ويمكن اعتباره أول وأبرز آثار إبعاد العقل. فهو أساساً العمل وفق تفكير عقل الغير، ولذلك يقضي ابتداء على ميزة أساسية لدى الفرد، هي عقله المستقل. إضافة إلى ذلك فإن التقليد يولد مجموعة أخرى من المشاكل، منها:
1.أن خطاب الله تعالى الموجّه إلى العباد جميعاً، يصير من الناحية الفعلية موجَّهاً إلى أهل العلم فقط، ومن ثَمَّ منهم إلى غيرهم من الأمة، أي يكون خطاب العامة آتياً من العلماء وليس من الله تعالى مباشرة.
2.يؤدي إلى تعطيل التفكير في أهم قضية من قضايا الحياة الإنسانية، أي قضية الله التي تعطي الحياة كلها معنى وروحاً.
3.يؤدي إلى تسويغ تسليم التفكير للغير حتى في القضايا غير الدينية.
4.أدَّى إلى وجود شيء من الكهنوت في المجتمع المسلم حيث حصرت أمور التشريع والإرشاد الروحي بطبقة محددة. في حين تلك الأمور تستند إلى العلم، وليس إلى انتماء ما.
5.أفقد الأمة الجرأة على التفكير المستقل، وهذا أدى إلى ضعف العقل وتناقص قدراته الإبداعية.
6.يضاف على ذلك أنه أضعف حرارة تأثير الإيمان. فإن تأثير الفكرة التي تؤخذ إيماناً بعد فكر ونظر أشد من الفكرة التي تؤخذ تقليداً. فَرْقٌ بين فكرة تؤخذ بعدما يتم معالجتها في العقل والقلب، ثم الاقتناع بها، وبين فكرة تأتي جاهزة، قد فكَّر فيها آخر، وأعمل عقله فيها، ثم لقَّنها غيره طالباً منه التسليم بها وأن يعمل في حياته وفقاً لها.
2. عدم وضوح معيار الفضل: معيار الفضل هو من القضايا الأخلاقية الأساسية التي لا بد لها من أن تتضح للمجتمع، بحيث يكون واضحاً لديه، من يستحق الفضل، ومن لا يستحقه، ومن يستحق الذم. ولكن في الثقافة الإسلامية التقليدية تم تعويم هذا المفهوم من خلال أمرين أحدهما كان أسوأ من الآخر:
الأول: تقليل الاعتماد على معيار الأعمال في تحديد الفضل، مقابل التركيز على ما حددته النصوص. وبالتالي أصبح الفضل كما لو كان أمراً غيبياً لا ضابط مطرد له ولا معيار واضح ودائم. فقد يكون شخص قد تقدم على جميع أقرانه في كل ما يفضل به المرء، ومع ذلك يظل دونهم، وأقل منهم في نظر من اعتمد على النصوص.
الثاني: وهو الأسوأ، وذلك عندما وجدنا أناساً ساءت أعمالهم يصنفون على أنهم خير من أناس حسنت أعمالهم. يتجلى هذا في الثقافة التي جعلت من بعض جبابرة هذه الأمة وفساقها معاوية بن أبي سفيان ومن على شاكلته خيراً من العباد الزهاد العلماء من بعده. وإذا كان الأمر الأول يميِّع مفهوم الفضل، فإن هذا الثاني يضيِّعه تماماً.
2.الجبر: توجد قناعة تامة في أعماق عقل كل مسلم متدين ذي ثقافة دينية أولية بأن الأمور المستقبلة قد رسمت وحسمت. وليس للاختيار الإنساني معنى سوى أننا لا نعلم ذلك المستقبل. هذا المعنى للاختيار غير معقول، ويربك التفكير المنطقي بشكل كبير. ويتحسر المرء لما ينظر إلى الجهود الكبيرة التي بذلها عباقرة من الفرق الكلامية في إضفاء معقولية على هذا المعنى.
إضافة إلى ذلك فإن هذا الأمر يضعف الفاعلية بشكل كبير. فالإنسان يتحرك من خلال أمرين:
رغبة في خلق مستقبل يرسمه هو لنفسه.
أو انفعال من واقع يسعى لأن يهدد وجوده أو مصالحه بنحو من الأنحاء.
الجبر قضى على الأول بشكل كبير، ولكنه لم يقض على الثاني لسبب بسيط، وهو أن حاجة الإنسان للحياة أقوى من تلك الفكرة. فحين يُهدَّد الإنسان فإنه ينفعل، ويتحرك وفق ذلك الانفعال إلى أن يحقق الأمان له، ثم تضعف العزيمة لديه بقدر ما ترسخت عقيدة الجبر فيه.
الأثر الآخر الخطير من آثار هذه الفكرة كما هي شائعة، هو رفع المسؤولية التامة عن الفرد. فالعقيدة هذه تشرك الله مع الإنسان في كل ما يحصل له من أمور غير مرغوبة. في حين أن المفروض أن المسؤولية توقع حصراً على الإنسان بحيث تخلق فيه مرارة الفشل والتي هي دافع هام للتطور والتحسن في الأداء.
والجبر له صور متعددة ولكنها جميعاً قد تأسست على فكرة واحدة هي: (أن الله تعالى يخلق جميع أفعال عباده) بمعنى أن كل فكرة نحركها في عقولنا وكل عزم نعزم عليه وكل قصد وكل حركة وكل فعل نقوم به… إلخ فإن الله تعالى هو الذي يخلقها فينا.
4. العزل بين النتائج وأسبابها: من آثار الجبر قطع العلاقة بين الأسباب ونتائجها، بحيث يكون كل منهما معزولاً عن الآخر، فمن أصعب الأمور أن يقنع عامة الناس أن أفعالهم مخلوقة لله تعالى، حيث أن هذه الفكرة تتنافى مع الشعور الوجداني للإنسان الذي يشعر أنه إذا أراد فعل، وإذا لم يرد لم يفعل، كما أنه يؤدي إلى نفي المسؤلية رأساً، ويصعب أن يجعل أمراً كهذا ثقافة اجتماعية ولكن شاع بديلاً عنه يعمل على الفصل التام بين أفعال الناس وبين نتائج تلك الأفعال، بحيث يطلب من الإنسان أن يعمل وأن يتحمل مسؤلية عمله؛ ولكن في الوقت نفسه تعتبر نتائج أعماله بيده وإنما هي بيد الله تعالى، كما قيل:
على المرء أن يسعى إلى الخير جهده
وليس عليه أن تتم المطالب
هذه الفكرة حاولت أن تخفف من الآثار السلبية لمقولة (أن أفعال العباد مخلوقة لله تعالى) ولكنها تنطوي على المشكلات ذاتها التي تنطوي عليها تلك المقولة إضافة إلى جملة من التناقضات الأخرى. لقد صار شائعاً أن كلما هو مطلوب من الفرد هو أن يسعى ويعمل، وأما النتائج فأمرها إلى الله جل شأنه. وكم نسمع: (علينا العمل والنتائج على الله). لقد نتج عن هذا نفي شفافية الأسباب، وعزلها عن التأثير وقطع ما بينها وبين نتائجها من روابط وشيجة.
لقد أصبح المسلم يطلب السبب ولكنه لا يتوقع يقيناً النتيجة في حين أن كل شيء يمكن فعله عبر أكثر من طريق، وكل طريق مكون من مجموعة من الأسباب، فلو عرفت الطرق المتعددة وتم اختيار أحدها ومن ثم حصرت الأسباب للطريق المختار، وكان للفعل ظروفه الملائمة، وتم رعاية العقبات والموانع والأفعال التي لا يمكن السيطرة عليها، سواءً كانت أفعالاً إنسانية أو طبيعية…إلخ، فإنه لابد من أن تثمر نتائج بشكل حتمي.
فإذا لم يتحقق ما نريده فمعنا ذلك أننا لم نقم بما يجب القيام به، أو لم يتتوفر لنا الظروف الملائمة أو تدخلت أطراف أخرى بشكل غير مناسب…إلخ.
بمعنى آخر أننا نقف على حافة وتقف النتائج التي نريدها على حافة أخرى، ولابد لنا من أن نبني جسراً بيننا وبين النتائج التي نريدها، وشكل الجسر يختلف باختلاف الظروف التي نحن فيها،ولكن لابد من التجسير.
عدم تحقيق النتائج يعني أن بناء الجسر لم يكتمل لسببٍ أو لآخر، وعندما نستعين بالله فعلينا أن نستعين به على إكمال الجسر، وليس على القفز من حافة إلى أخرى، وعندما نطلب منه تعالى أن لا يخذلنا وأن لا يقف بيننا وبين ما نرومه فإننا نطلب منه أن لا يمنعنا من إكمال الجسر، وكما يمكن أن نتصور أن يمنعنا فرد من الناس في عمل ما، وكما يمكن أن نتصور أن يعيننا شخص ما على أمرٍ ما، كل ذلك بدون أن يعني أننا مجبرون، أو أنهم خلقوا أفعالهم، فلله تعالى طرقه في التدخل بدون أن يكون هو الخالق لأفعالنا والمجبر عليها.
إن نفي خلق أفعال العباد هو نفي للجبر، وليس نفي لتدخل الله تعالى في أفعالنا تأييداً أو منعاً.
5. التجسيم والتشبيه: الثقافة الشائعة اليوم بين المسلمين ثقافة تجسيمية تشبيهية إلى حد كبير. توصف الله تعالى بصفات خلقه، وتشبه الله جل وعلا بالبشر. فضلا عن سوء هذا من حيث إنه ينسب لله تعالى ما لا يليق به، فإن له أثراً دقيقاً على الوعي الجمعي للأمة. فالفكر المجسم المشبه يوجب علينا أن نؤلِّه من هو مثلنا، ونحن مثله، ولكن له الألوهية لأنه “أكثر” منا في تلك الصفات. وبالتالي فإن استحقاق التأليه إنما ارتكز على الفرق في الـ”كم” بيننا وبين المعبود. في حين أن الفكر المنزه لله عن التجسيم والتشبيه يؤسس استحقاق الألوهية على أساس الفرق النوعي والكيفي إضافة إلى الفرق الكمي.
إن الارتكاز على الفرق الكمي فقط في استحقاق الألوهية يؤدي إلى خلق آلهة صغيرة في المجتمع، حيث إن كل من تقدم كماً في صفة من الصفات، استحق نوعاً من الخضوع والتعظيم بقدر ذلك التقدم. في حين الاستناد إلى التفوق الكيفي والكمي يؤدي إلى حصر الألوهية في الله تعالى الذي ليس كمثله شيء.
6. اهتزاز الثقة بالله: إن الله تعالى في الفكر السائد قد يعذب من لا ذنب له. وقد يمكر بالعبد في آخر حياته فَيُزِلُّه بعد طول صلاح ليدخله النار. ومن يطع الله لا يحق له أن يقول: إنه سيدخل الجنة قطعاً ما دام مطيعاً، وإنما هو على الرجاء حتى لو مات مطيعاً. والله تعالى يأمر وينهى ويمدح ويذم عباداً لا فعل لهم ولا عمل على الحقيقة، ذلك أن الله هو خالق أفعالهم، ومقدر جميع أعمالهم. ويجوز أن يدخل الله تعالى الجنة من لم يطع الله لحظة، وأن يدخل النار أصلح عباده. إن نحو تلك الأمور تفقد العبد ثقته بالله تعالى. فمع كل ما وعد الله وأوعد يبقى الإنسان قلقاً مضطرباً، غير واثق من مآل الأمور. ويصير المرء عابداً لإله تُفقد معه كل المعايير الأخلاقية التي من خلالها يؤسس الإنسان علاقاته بالغير. إنه إله لا يمكن للعباد أن يثقوا بمآل أمورهم في ظله. إضافة إلى هذا الأثر الخطير، فإن الثقة بين الناس تفقد. فإذا كنا لا نثق بمآل أمورنا مع الله، وهو أحكم الحاكمين، وأصدق الصادقين، بعدما أوعد ووعد، فكيف نثق بمن دونه من الخلق مهما وعدوا وأوعدوا؟
7. تعطيل الثقة بالمشاهدة الحسية: إن ما يشاهده المرء لا يفسره الفكر السائد دوماً على ظاهره. ولعل أدق مثل على هذا إيمان ذلك الفكر بأن الله هو خالق أفعالنا. فالمشاهدة الذاتية الوجدانية، وهي أكثر المشاهدات شدة وقوة، تفيد أن الإنسان هو موجد فعله باستقلال. في حين أن الثقافة السائدة تملي عليه أن لا يثق بهذه المشاهدة، وأن ينفيها ويقر بأن الفعل مخلوق من غيره، وأن ذلك الشعور بالحرية المطلقة إنما هو مجرد شعور لا واقع له. وأما الواقع فهو أن الله هو خالق وفاعل جميع ما يصدر عنه.
مثال آخر يتعلق بالحسد، حيث أن المشاهدة تنفي وجود أي ارتباط بين العين وبين الواقع المادي من حولنا، في حين أننا نخالف ذلك معوِّلين على نصوص لم تبلغ من القوة درجة يمكن الاعتماد عليها.
8. تشويه مفهوم الوعيد: حيث أن العاصي والظالم المتمرد يمكن أن يدخل الجنة برحمة الله تعالى حتى لو لم يتب، ومات مصراً غير نادمٍ على جرائمه ومظالمه ومعاصيه.
9. تشويه مفهوم القيادة السياسية: حيث صار يمكن للظالم العاتي الجبار أن يكسب الشرعية ووجوب الطاعة والولاية إذا ما وضع يده على مقاليد الحكم. ثم يتحول السلطان من خادم لمصالح الأمة، يتولى أمورها لها، إلى حاكم يطاع لذاته ولمنصبه بقطع النظر عن ممارسته. وهذا الأمر قد ينتج أمراً آخر ذا أهمية، وهو أن المنصب يصير سبب استحقاق الولاء، فكل من جلس على الكرسي وجب له ذلك، بدلا من أن تكون الكفاءة والعمل هما سبب استحقاق الولاء ومن ثم المنصب.
10. تغير دور الفرد في الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر: من المفاهيم التي كان لها أثر على العلاقات الاجتماعية هو الفهم حول دور الفرد في الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر. ففي حين أن الدور هذا يجب أن يمارس أساساً بشكل رأسي بين الفرد والدولة، وبشكل ثانوي بين الأفراد في نطاقات محدودة، فإنه صار يمارس حصراً بشكل أفقي بين أفراد المجتمع. وهذه الممارسة الأفقية غير مجدية في أغلب الأحوال. فالأمر والنهي بين الأنداد مستصعب، وإن وقع فإنه يخلق شعوراً بالمرارة وبالتعدي، كما أنه يفتت المجتمع، وَيحوِّله إلى جيوب من المؤمنين الآمرين، وأخرى من الفاسقين المنهيين. في حين أن الأصل أن يكون نحو الدولة لإصلاحها إذا ما فسدت، ثم تقوم هي بواجبها على الأفراد، وهو أمر لا يجد الناس منه غضاضة، حتى وإن كان غير محبوب لديهم.
11. الإيمان بقوى غيبية غير قوة الله تعالى: وذلك نحو ما يمنح لإبليس وأعوانه من الجن عليهم لعنة الله من قوى خارقة نحو القدرة على النفاذ إلى قلب الإنسان، والقدرة على التأثير على إدراكه، والقدرة على الوصول للجنين، وغير ذلك من القدرات الشائعة. ومن هذا ما ينسب للعين الحاسدة من قدرات.
12. اختلاط الأوليات: لقد اعتبرت قضية الدولة فرعية، في حين أنها القضية العملية الكبرى في حياة الإنسان، وجعلت هي ومئات من الأحكام الفقهية بمستوى واحد، فصارت القضايا الفردية تحتل الأهمية نفسها للقضايا الاجتماعية، وصار المتدين يغار ويسخط لـمَّا يرى مخالفات ذات سمة فردية شخصية، أكثر مما يسخط لـمَّا يرى أو يسمع بمخالفات تطال الشأن العام. مثال ذلك رد فعل أغلب المتدينين عند رؤية امرأة سافرة عن شعرها، أو كاشفة لبعض جسدها، مقابل ردود أفعالهم من منظر طفل يمدُّ يده للناس.
وتوجد مجموعة أخرى من المفاهيم التي يمكن أن تذكر في هذا المجال، وما ذكرت ما سبق إلا تمثيلاً.
ولكن بالرغم من أثارها السلبية، بل وآثار غيرها من المفاهيم غير الدينية، فإن إعادة النظر بها يصطدم بمجموعة من العوائق، لعل أبرزهما: عدم الاهتمام بإبراز العلاقة المباشرة بين نحو تلك المفاهيم وبين الواقع الحضاري الذي نحن فيه. وثانياً طبيعة مقاومة المجتمع للتغيير في قيمه وثقافاته المتأصلة. وبسبب ذلك الأمران فلا يُرى أمل حقيقي بالتغيير ما لم يتم اتخاذ قرار سياسي يدفع البلاد جميعها، بكل مواردها وإمكانياتها نحو المراجعة والتغيير والتجديد. فطبيعة التغيير المطلوب يتطلب تجاوزاً للواقع، والدولة هي الأكثر قدرة على دعم هذا التجاوز لما لها من موارد. والمثل القائل: اتسع الخرق على الراتق، هو خير ما يصف حال اليوم. فالمفكر يحاول أن يرتق هنا وهناك، ولكن الخرق يتسع يوماً بعد يوم، وبتسارع يفوق سرعته. إضافة إلى هذا فإنه لكل راتق يوجد ألف خارق. وهذا بطبيعة الحال يتطلب قيادات سياسية قادرة على تقييم أهمية مثل هذه القرارات. قيادات سياسية قادرة على توجيه الأمة وليس مجرد ضبطها. قيادات سياسية تمتلك الرؤية التاريخية والفلسفية التي تؤهلها لاتخاذ مثل هذا القرار. وأهم من كل ذلك، قيادات سياسية تفتح المجال للحركة ولكن بغير أن تحدد وجهتها.
وما لم يتم مثل هذا، فإن عوامل التخلف المتأصلة المتزامنة مع هيمنة غربية متزايدة ستزيد من الاحتقان الموجود في المجتمعات، مما قد يؤدي إلى انفجاره. ولعل التزايد المتدرج في نشاط الحركات الصوفية في العالم الاسلامي يأتي في سياق تجنب تلك النتيجة.
ولكن بالرغم من عدم وجود القرار السياسي، فإن طرح البدائل، والسعي إلى فتح الحوار حولها، وإيجاد من يتبناها أمر لازم. ذلك أنه مع استمرار الحال كما هي اليوم فإن عاصفة التغيير ستأتي، والأحداث السياسية الأخيرة في العالم مؤشر على أنها لن تكون بعيدة. وعند ذاك فإما نكون جاهزين برؤية مستقبلية مؤسسة على طرح ثقافي متقدم، وإلا فإننا سندمر. والدمار الذي يخشى منه ليس الدمار العسكري، أو السياسي، فإن الشعوب لا تنتهي بذاك، ولكن يخشى من الدمار الثقافي حيث نتحرك في الحياة وفق ثقافة غريبة كل الغربة عن جميع معتقداتنا التي نؤمن بها.