عبدالله حميدالدين فبراير 3rd, 2007
أغلب، إن لم يكن جميع القراء سيظن وقوع خطأ في العنوان. فهاملت لم يكن يتساءل في عبارته المشهورة وإنما كان يقرر.
نعم! في ذلك الوقت فإن هاملت كان يقرر، ولكنه لو قام بذلك الدور اليوم، أو في أي وقت خلال المائة سنة التي مضت، فإنه وبنفسه كان سيشكك، بل ربما سيتوقف عن تكرار عبارته المشهورة. وأستطيع أن أذهب أبعد من هذا، فأقول وبدرجة عالية من الثقة أنه كان سيستبدلها بعبارة ألصق بالذهنيات السائدة اليوم. عبارة من نحو: “أن تملك أو لا تملك، تلك هي القضية”. وإلا فإنه أن أصر على عبارته الأولى فإنه سينطق ألغازاً لجمهور مؤلف ممن فقد الاستطاعة لأن يستوعب أو يقدِّر مفهوم: “أن تكون”.
لقد أصبحت عبارة “أن تكون” ذكرى بعيدة. شعار تتغنى به المثالية المغتربة عن واقع اليوم، أو المحمية من مآسي الجماهير. أناس يسكنون أبراجاً عاجية مبنية على تأملات سقراط، أو يد سميث الخفية.
أياً كان الأمر، فإن وعي هذا الزمن ومنظومته القيمية قد تم تشكيلهما بيد واقع اجتماعي وأحوال اقتصادية تعظم من شأن شعار جديد هو: “أن تملك” ، وهذا الأمر قد أدى بنا إلى حالة مزرية.
عندما كنَّا نعيش في ثقافة “أن تكون” فإن مسارنا الكوني ـ سواء بطبعه أو بتصميمه ـ لم يكن يتقاطع ما مسار أحد من الناس. كما لم تكن الموارد الكونية لهذا المسار محدودة زمناً أو مكاناً أو كماً. بل إنها لم تكن مشتركة أصلاً. فكل ما كان على المرء إذا ما أراد “أن يكون” هو أن يكون. بكل بساطة. وبالتالي فإن كل من كان لديه وعي كافي اتجه نحو أن يكون، مطلقاً من جميع مشاعر منافسة الآخرين السائرين في المسار نفسه.
مثل هذا الحال ترك صراعات البقاء والمنافسة في دائرة الأمور التي “لم تكن القضية”. أمور مهمة أو تافهة ولكن لم تكون حيوية وفق فلسفتنا للحياة.
ولا داعي لأن أؤكد أنني لا ألمح ولو من بعيد أن الناس والمجتمعات كانت تعيش في سلام ونعيم. كلا! لم يكونوا، ولن يكونوا. فمع أنهم كانوا يفكرون بمنطق “أن تكون” إلا أنهم كانوا يمارسون أعمالهم وفق منهج “أن تملك”. ولعل سبب ذلك هو غياب الجسر بين الفكر والسلوك، الثقافة والحضارة، أو عدم ملائمة النظام الفلسفي الكلي، أو ضعف فاعلية النظام التربوي، أو عجز القيادات الموجودة أو جميع ذلك معاً، أو غير ذلك من الأسباب.
وعليه فقد كان لدينا مجموعتان من الناس. الغالبية التي اختارت خوض معركة البقاء والمنافسة في جبهات “أن تملك”؛ وتلك الأقلية التي اختارت أن لا تلهي نفسها في مثل تلك الترهات. ولكن مع الاختلاف في السلوك بينهما، إلا أنهما اتفقا معاً على أن الصواب والمثالي والنموذجي، كان مع الأقلية، كان مع الفكرة: “أن تكون”.
ثم تغير الأمور بسبب مجموعة من الأسباب المركبة والفوضوية.
لقد كانت كثير من أمراض المجتمع نابعة من سلوك “أن تملك”. ومع ذلك ففي سياق المسافة المتزايدة بين الفكر والسلوك، المثال والواقع، وغيرها من الأسباب، بدا معقولاً افتراض أن الفكر يكون انعكاساً للواقع، بدلاً من أن نقول إن الفكر يشكل الواقع، أو يحاول على الأقل. وبالتالي فقد تكونت ثقافة “أن تملك”، ثم سوغت فلسفياً، ومع الزمن تم مأسستها اجتماعياً واقتصادياً.
وبذلك نشأت أشكال جديدة من العلاقات الاجتماعية.
إن ثقافة “أن تملك” تفترض أن على المرء مد يده ليأخذ. وفي هذه العملية حيث إن الأخذ سيكون حتماً من مصدر مشترك، فإنه من المتوقع تشابك الأيدي، وسيصبح النزع هو الطبيعي. وتتضاعف المشكلة لما نعلم أن موارد “أن تملك” محدودة زمناً، ومكاناً، وكماً. كما لا يمكن أن تتم المشاركة التامة فيها. فما سيأخذه شخص سيؤدي إلى حرمان شخص آخر. فإذا كان كل ما يريده المرء هو “أن يملك”، إذا صارت قضية هملت: “أن تملك أو لا تملك”، فإن ذلك يعني حتماً أن حقيقة ما يريده المرء هي حرمان الآخرين. وعليه فإن كل فرد في مثل هذه الثقافة، بتفكيرهم السطحي، سيكون عائشاً في شعور متواصل من تحدي الآخرين الباحثين مثله عن “أن تملك”.
في هذا السياق تولدت ثقافة أخرى هي ثقافة صراع البقاء، وخلال فترة وجيزة انتشرت الثقافتان محلياً ومن ثم عالمياً.
ولحسن حظ البعض، قبل أن تترسخ تلك الثقافتان تم إنشاء مؤسسة سياسية اسمها الديمقراطية، حيث خففت كثيراً من شرورهما.
ولكن لسوء حظنا ـ نحن القابعين في الركن العربي من العالم ـ فإن تلك الثقافتان قد ترسختا بغير أن توجد إرادة سياسية لتغييرهما أو لتقييد أثرهما المدمر، وأيضاً بغير أن يوجد إطار مؤسساتي يمكن أن يرفع بعض مآسيهما.
عبدالله حميدالدين فبراير 3rd, 2007
جميع الظواهر الاجتماعية لا يمكن إرجاعها إلى سبب واحد دون غيره من الأسباب، وإنما لكل ظاهرة مجموعة من الأسباب المتداخلة. ويمكن أن نلاحظ هذا الأمر في أبسط الأمور من حولنا بشيء من التأمل.
زيادة على ذلك، فإن تأثير سبب من الأسباب يختلف باختلاف الظروف المحيطة به، فما ينتجه سبب في ظرف لا يعني بالضرورة أن يعطي النتائج ذاتها إذا اختلفت الظروف. هذا يعني ضرورة تجنب التعليل الأحادي لأي ظاهرة، كما يعني بدرجة أكثر أهمية، وهو ما يعنينا هنا، تجنب الإطلاق عند الحديث عن أسباب ظاهرة ما، بل لا بد من أن نقيد تأثير سبب ما بما يحيط به من ظروف.
ويتأكد الأمر، أي أهمية عدم الإطلاق، عندما تكون الظاهرة ذات آثار عميقة على الواقع الاجتماعية، مما يعني أن الخطأ في التشخيص، المستلزم أخطاءاً في العلاج، قد يخلق ظروفاً ملائمة لانتاج مجموعة أخرى من المشاكل.
ضمن هذه الرؤية يجب أن نطرح العلاقة بين “الفكر المتطرف” وبين “الإرهاب”. فالعلاقة بينهما جدلية، يؤثر كل منهما في الآخر وينتجه، وذلك بكيفيات متباينة تتنوع بحسب الظروف المحيطة. فكما قد نزعم أن الفكر المتطرف ينتج الدافع للقيام بعمل إرهابي، فإن ذلك الدافع نفسه قد ينتج فكراً متطرفاً ليسوغ وجوده أمام نفسه وأمام غيره. وعليه فلا يمكن اعتبار أن الفكر المتطرف علة تامة للإرهاب، بل من الخطأ أن تحصر العلاقة بينهما بعلاقة آحادية الاتجاه من نحو علاقة العلة بالمعلول.
وبشيء من الاختزال يمكن أن نرسم العلاقة بينهما كما يلي:
إذا اعتبرنا أن الظروف الموضوعية المحيطة بالفرد والمجتمع مستقرة، ومعتدلة، بمعنى أنها تمارس ضغوطاً “طبيعية” ومتوازنة على الفرد، ضغوطاً لا تعمل على سحقه، ولكن في الوقت نفسه، لا تعطيه مجالاً للاسترخاء المطلق والدعة التامة، فإن المتوقع هنا أن يكون للفكر دور قوي، حيث إن المجتمع والإنسان يتصرفان بفاعلية، وهذه الفاعلية ستنطلق لصنع الواقع من رؤية للحياة، أي من الفكر. وهنا سيقوم الفكر بدوره في التحفيز نحو الفعل، كما سيكون له دور أساسي في تحديد الشكل الذي سيظهر عليه الفعل. هذا مع عدم إلغاء أو تقليل شأن الاعتبارات الأخرى الداخلة في خلق الحوافز، وفي تحديد الأفعال الناشئة عنها.
أي في الحالة الطبيعية فإن الفكر يكون محفزاً نحو الفعل، ثم محدداً للشكل الذي سيظهر عليه ذلك الفعل. ولكن تلك الحالة المتوازنة لا تكاد توجد، بل الغالب الأعم، إن لم يكن الدائم، اختلال التوازن بين المجتمع/الفرد وبين الظروف الموضوعية لكل منهما، وبالتالي اختلال دور الفكر في صناعة الواقع. هذا الخلل إما باتجاه الدعة حيث لا يجد كل من الفرد أو المجتمع الضغط الطبيعي الإيجابي المحفز نحو التفكير والفعل. وإما باتجاه خلل السحق وهو حين تتجه الظروف الموضوعية لتكون عامل سحق للمجتمعات والأفراد. ومع الآثار السلبية لخلل الدعة، وما يؤدي إليه من أزمات نفسية، وفقدان لمعنى وقيمة الرفاه إلا أن الخلل الذي المعني به هنا هو خلل السحق، وذلك لأنه الخلل الأبرز في حياتنا اليوم، على كل من المستويين: المحلي والدولي.
ويمكن أن نقول في وصف تأثير “خلل السحق” إنه:
بقدر ما يزيد ضغط الواقع على الإنسان فوق ما هو “طبيعي” ومحتمل، بقدر ما تقل فاعلية الفرد/المجتمع، وتزداد انفعاليته. وبقدر ما تزيد الانفعالية فإنه يقل دور الفكر. ولكن في المراحل الأولى من اختلال التوازن فإن دور الفكر الذي يقل تأثيره هو الدور التحفيزي، بحيث يفقد قدرته التحفيزية، لصالح الانفعالية لدى المجتمع/الفرد، فيصبح الانفعال هو المحفز للفعل، في حين كان الفكر يقوم بذلك الدور. وهذا الأمر يستوي في حالة الفكر المتطرف وغير المتطرف.
ولكن مع التناقص في دور الفكر التحفيزي، إلا أن الدور التحديدي له يبقى، بحيث يظهر الفعل الانفعالي بشكل يتلاءم مع الفكر السائد في المجتمع. ولذلك نجد أنه مع تشابه ظروف كثير من المجتمعات، فإن شكل انفعالاتها يختلف لاختلاف المحددات الفكرية لها.
والضغط في هذه المرحلة، مرحلة تناقص الدور التحفيزي للفكر، هو أساساً سحق في المعيشة، ضغط فوق ما يحتمله الإنسان عادة في أمور حياته المادية، ومهما بقي في هذا الحد، فإنه في الغالب لا يؤدي إلى إلغاء الدور التحديدي للفكر.
ولكن إذا كان الضغط سحقاً للذات، سواء أتى هذا بعد السحق المعيشي، أو قبله، أو خلاله، إذا كان السحق يطال ما يعتز به الفرد/المجتمع، إلى ما يشكل هويته ويعطي له كينونته، إذا وصل الأمر إلى تلك الحالة، فإن الدور التحديدي للفعل سيبدأ بالتناقص، وبدلاً من أن يحدد الفكر شكل الانفعال، فإن الانفعال هو الذي سيأخذ في تحديد شكل الفكر، بحيث يسوغ لنفسه وجوده.
إذن إما يكون الفكر محفزاً نحو الفعل، وإما يكون محدداً للفعل، وإما يكون مسوغاً للفعل. يكون محفزاً حين يسهم في خلق الدافع نحو الفعل. ويكون محدداً حين يسهم في الشكل الذي سيظهر عليه الفعل. ويكون مسوغاً حين يبحث عن تسويغات لظهور الفعل.
على ضوء ما سبق، فإنه عند البحث في تأثير الفكر المتطرف على الإرهاب لا بد من أن الأخذ في الاعتبار طبيعة الظروف الموضوعية التي نحن فيها. بل أكثر من هذا، علينا أن نميز بين مستويات متعددة للظروف الموضوعية تلك، حيث إن لكل مستوى منها تأثير مغاير عن الآخر. فالظروف الاجتماعية على المستوى الأسري، أو تلك على المستوى المحلي، أو تلك على المستوى الوطني، أو تلك على المستوى الدولي، كل منها تمارس ضغوطاً متنوعة على الأفراد وعلى المجتمعات، ولكل من تلك الضغوط آثار ونتائج مختلفة.
ولو سعينا لفهم العلاقة بين الفكر المتطرف وبين الإرهاب ضمن الواقع اليوم ـ محلياً ودولياً ـ لكان علينا أن نسأل:
هل نحن في مرحلة استقرار بين الواقع وبين المجتمع/الفرد؟ بحيث نقول إن الفكر يلعب فيه دوراً أساسياً تحفيزاً، وتحديداً؟
أم أننا في مرحلة ضغوط معيشية بحيث نقول إن دور الفكر التحفيزي قد قل، وبقي الدور التحديدي؟
أم أننا في مرحلة سحق الذات بحيث نقول إننا صرنا ننشئ الفكر الذي يسوغ لنا وجود الفعل، ويسوغ لنا شكله؟
أتصور أننا صرنا بين مرحلتين: مرحلة الضغوط المعيشية ومرحلة سحق الذات. فالواقع اليوم يتسم بعولمة اقتصادية، تتبعها عولمة ثقافية، كما يتسم بقطبية آحادية، تتبعها هيمنة سياسية. والسمتان مجتمعتان صارتا تخلقان لدى الأفراد والمجتمعات أشكالاً من الضغوط الشديدة على المعيشة من جهة، وذلك من خلال السياسات المتعددة الناشئة عن شروط منظمة التجارة العالمية. ومن جهة أخرى على الذات، من خلال أعمال الهيمنة العسكرية والسياسية والثقافية التي تمارس هنا وهناك. يزيد الأمر سوءاً الواقع المحلي بكل أبعاده ومختلف تجلياته. في مثل هذا الواقع فإن الفكر ـ متطرفاً كان أم معتدلاً ـ سيصبح نتيجة وليس سبباً، أو على الأقل الفكر غائب كمحفز. وعليه فلا يصح اعتبار الإرهاب حالة فكرية، بل انعكاساً لخلل في التوازن.
وإذا كان تخفيف الضغط الدولي خارجاً عن سيطرتنا حالياً، فإنه لا مناص من الاتجاه نحو زيادة قوة الأفراد والمجتمعات بحيث نقترب من جديد إلى حالة من التوازن. وأي عمل في غير هذا الاتجاه، أي عمل يقلل من قوة الداخل، سيعني زيادة في سحق الواقع الدولي، إلى أن نصل مرحلة ننتهي فيها، أو نزيد من الانفعالات التي ستخلق لنفسها تسويغات متواصلة.
عبدالله حميدالدين فبراير 3rd, 2007
ما تتضمنه الذاكرة الجماعية والثقافة السائدة حول الخليفة العادل عمر بن عبدالعزيز رحمه الله يعكس أمرا ذا دلالة بالغة على رؤيتنا لحركة التاريخ من جهة، ولدور القيادة السياسية الفردية فيه من جهة أخرى.
فإذا ما عدنا للنصوص التاريخية المعاصر منها والقديم لنرى موقع عمر بن العزيز فإننا سنجد أنفسنا أمام أمة بقيت لمدة 59 سنة في ظل ملك عضوض، رأت بعدها ومضة برق أضاءت سماءها لوهلة، ولكن لتعود بعدها إلى ما كانت عليه من جور.
ولا تبخل علينا تلك المصادر في تفصيل بعض الجوانب الاجتماعية والاقتصادية والسياسية التي تمخض عنها ذلك الشكل من الحكم، أعني الملك العضوض… وعلى وجه الخصوص تلك المصادر التي تهتم بإبراز دور عمر بن العزيز. فإذا ما عدنا إلى تلك المرحلة فإننا سنجد أنفسنا في مجمتع قابع تحت نير سلطة سياسية غاشمة، جعلت من أفراد الأمة خدماً لها، ولشهواتها، ومن موارد الأمة مصدراً لإشباع نزواتها، ورغباتها. سلطة سياسية كبتت جميع أشكال الإصلاح الذي يطولها، وفي الوقت نفسه فتحت الأبواب على مصراعيها لجميع أنواع التدين الفردي، ثم لم تأل جهداً في إشغال الناس بما لا طائل تحته من مسائل ثانوية، كما شحنت عقولهم بأساطير أهل الكتاب وخرافاتهم.
ويعلم من لديه اطلاع على أحوال تلك المرحلة أن الوصف السابق لحال الأمة في تلك الـ59 سنة فيه من الظلم ما فيه. حيث إنه اختصر ملايين الأنَّات والأهات والحسرات والصرخات التي أطلقتها أفواه وقلوب ومشاعر ودموع ودماء الثكالى، والأيتام، وأباة الضيم. كما صمتت عن السكرات المؤلمة التي عانت منها قيم العدل والحرية والفكر والعلم. ولكن هل للكلمات أن مهما طالت أن تحكي كل وعمق ما وقع؟ وإذا ما حكت فهل في ذلك ما يخفف الآلام؟ أو يغير الواقع؟
في ظل ذلك الواقع المؤلم، يصل عمر بن العزيز إلى الحكم. ولأنه كان شخصية استثنائية، فإن وصوله إلى الحكم كان أيضاً استثنائياً. فالانتقال الطبيعي للحكم كان من سليمان بن عبدالملك إلى أخية يزيد بن عبدالملك حسب وصية عبدالملك نفسه. حيث إنه كان قد أوصى بالخلافة إلى سليمان على أن تكون ليزيد من بعده. ويظهر أن يقظة ضمير مفاجئة لدى سليمان جعلته يقرر أن يكون الحكم بعده لشخص صالح… شخص يقوم بإصلاح ما أفسده هو نفسه وسلفه من قبله. وهذه اليقظات لا يعرفها الحكام إلا آخر عمرهم، بعد أن شبعوا من كثر ما أكلوه، وعافت أنفسهم من شدة عفن ما عملوه… وخصوصاً إذا لم يكن لديهم من يخلفوه. ذلك أن سليمان كان عازماً على جعل ولاية العهد لابنه أيوب، ولكن أيوب هذا مات في حياة أبيه، فأرادها لابنه الآخر محمد، ولكنه لم يكن قد بلغ الحلم بعد. فما كان لسليمان إلا أن يجعلها ليزيد وفق وصية أبيه، أو يجعلها لغيره، لغرض في نفسه. فصرفها عن يزيد، وعن أخيه هشام بدعوى أنهما ((لم يبلغا أن يؤتمنا على الأمة.)). ومهما كان من أمر، فقد جعلت لعمر، ولكن لم يعلم عمر بذلك إلا بعد وفاة سليمان.
ويأتي خبر الخلافة لعمر بن العزيز، وهو في حالة من حالاته الأموية، يتمتع بما ليس له. ولكنه حين يعلم بالمسؤولية الملقاة على عاتقه يحصل له انقلاب نوعي فيتحول من شاب أموي لاه إلى رجل جاد عادل. وتحكي المصادر عن المظالم التي كانت بين يديه يتمتع بها، والتي ردها بعد ذلك إلى بيت المال. كما سعت المصادر إلى أن تجعل لتلك الانقلابة جذوراً في حياته المبكرة حيث كان بخلاف أهله مائلاً إلى الصلاح بعيداً عن الفحش. كما تجد لها جذوراً وراثية، إذ كان حفيداً لعمر بن الخطاب رضي الله عنه من جهة الأم. بل نقلت عنه أنه قال: إن من ولدي رجلا بوجهه شين يلى ، فيملأ الأرض عدلا.
ثم ترسم المصادر التاريخية صورتين متوازيتين حول عمر بن العزيز:
الأولى لشخص عمر فترة خلافته… فتحكي كثيرا من مظاهر زهده، وحرصه على المال العام نحو ما نقله ابن كثير عنه (( فكان يلبس القميص الغليظ المرقوع ولا يغسله حتى يتسخ جدا… وكان يلبس الفروة الغليظة، وكان سراجه على ثلاث قصبات في رأسهن طين ، ولم يبن شيئا في أيام خلافته . وكان يخدم نفسه بنفسه، وكان يأكل الغليظ من الطعام أيضا، وكان يأكل من العدس ليرق قلبه وتغزر دمعته…)) إلخ ما هو مذكور ومسطور.
والثانية: بعض قراراته الجريئة والتي خالف فيها سلفه… أهمها أنه أزال مظالم بني أمية بادئاً بنفسه. فأخرج من أيديهم كل ما أتاهم بغير وجه حق، وأغلظ عليهم في ذلك. كما شدد على عماله، وعزل من عرف بالجور والظلم. ومنها أنه منع شتم الإمام علي بن أبي طالب رضي الله عنه على المنابر في آخر خطبة صلاة الجمعة، وأمر بأن يقرأ مكانها (إن الله يأمر بالعدل والإحسان وينهى عن الفحشاء والمنكر والبغي يعظكم لعلكم تذكرون)، وقد استمر قراءتها إلى الآن.
ثم تحكي بعض آثار وجوده في سدة الحكم على المجتمع المسلم. ولعل أبرز وأشهر صورة هي ما يقال حول الزكاة حيث لم تجد من يأخذها لما أصاب الناس من رخاء بسبب وجوده.
والملفت أن الصور المتوفرة حول حياته الخاصة أكثر من تلك حول التغيرات الحاصلة في الأمة.
وفي كل الأحوال فقد كان من سوء حظ هذه الأمة، أن لم يستمر هذا الحال، إذ توفى رحمه الله… وكما كان مجيئه فجائياً، فكذلك كان رحيله… لقد أتى بقرار رجل، ثم ذهب بقرار من بعض أفراد أسرته التي رأت أنه قد تجاوز الحد في طريقة إدارته للحكم، فسمم. ويقال إنه كان قد وعد بأن يعيد النظر في ولاية العهد ليزيد بن عبد الملك بن مروان. فخاف بنو أمية على ملكهم لو حصل ذلك، فدسوا له السم فمات وهو بدير سمعان من أرض معرة النعمان ودفن هناك بعدما ما حكم سنتين ونصف. لقد كان رحمة الله عليه شمعة أضيئت في ليل عاصف… فسرعان ما أطفأتها رياح الظلم الأموي. ثم عادت الأمور إلى ما كانت عليه، وألغيت جميع القرارات التي اتخذها، وعادت الأمة إلى ما كانت عليه.
ما سبق مجرد إشارة إلى معالم قصة تاريخية أصبحت تمثل الحلم المنشود في قلوب المسلمين عبر مراحل تاريخية متعددة، لدرجة أنها قد نسجت حولها كثير من الروايات والأخبار التي جعلت من حياته ومماته أقرب إلى الأسطورة.
ونحن اليوم، وكما كان غيرنا بالأمس، ننظر إلى تلك المرحلة بكل شغف وشوق، نحلم بعمر بن عبدالعزيز ليخلصنا مما نحن فيه… نحلم بوصول رجل مثله إلى الحكم ليحصل الانقلاب الذي حصل. لتتحول حال الأمة من ذل إلى عز، ومن جور إلى عدل، ومن بلاء إلى رخاء، ومن فقر إلى رفاه.
وفي ذلك الحلم تكمن مشكلة…
إن ما وصلنا، أو ما هو مرتكز في الثقافة العامة، عن قصة عمر بن عبدالعزيز بكل ما فيها من جلال تشوش علينا بعض الحقائق الأساسية حول التغيير المنشود بل والممكن في الأمة المسلمة. ذلك أن القصة تحكي عن انقلابين: إحداهما في شخصه رحمه الله، والأخرى في الأمة.
ولا أريد أن أتناول الانقلاب الذي حصل في شخصه، ولا تفاصيل حياته الشخصية قبل وبعد تلك الانقلابة. فالمعلوم الذي لا شك فيه، أنه وبقطع النظر عن تفاصيل ما نسج حوله من مبالغات، قد جسَّد حاكماً تقياً عادلاً حريصاً على مصالح الأمة. وأما أنه كان يخصف نعله، أو يخيط ثيابه البالية، أو يأكل طعام الفقراء فأمور تفصيلية، ثانوية، لا أهمية لها في سياق الاتفاق على عدله وتقواه. فحتى لو لم تصح كلها فإنها لا تغير من صورته البتة، فممارسات الحاكم في حياته الشخصية أمر لا ينبغي أن يهم الأمة، وإنما ينبغي أن يهمها ممارساته في حياتها، وتجسيده لمثلها وقيمها.
ما أريد أن أتناوله أو أشير إليه هو الانقلاب الثاني الذي حصل في الأمة.
إن القصة جعلت من وصول عمر إلى الحكم السبب الأوحد في تغير الأمة إلى حالة صار الفقر فيها معدوماً. ولما كان شيوع الفقر أبرز وأهم تجليات الظلم، فإن غيابه تماماً يعني ذهاب الظلم. وبذلك يكون مجيء عمر قد أشاع العدل بين جميع طبقات المجتمع، حتى انتفى الفقر بينهم. ثم إن القصة نفسها، جعلت من غياب عمر بن عبدالعزيز سبب عودة الأمور إلى كانت عليه من قبل. وكل ذلك حصل في ظرف زمني لا يتجاوز ثلاثة سنوات، فيها انتقلت الأمة من الجور إلى العدل، ثم من العدل إلى الجور.
إن الأمر كما رسمته المصادر يتجاهل مجموعة من الأمور المتداخلة.
فمن جهة نجد أن فعل الأمة غائب في كل من التغيير من الجور إلى العدل، ثم العودة. فالتغير إلى العدل إنما أمكن بقرار من سليمان بن عبدالملك في تعيين عمر خليفة من بعده، ثم بعزم من عمر بن عبدالعزيز على ممارسة الحكم بالعدل. ولا نجد في خلفية قرار سليمان، أو في ظلال عزم عمر أي حضور للأمة، ولا أي مطالبة منها… والأسوأ من ذلك، فإن العودة إلى الجور إنما كان أيضاً بقرار من بعض بني أمية، بتسميم عمر أولاً، ثم بتولي يزيد بن عبدالملك للحكم، وهنا لا نجد أي أثر للعدل الذي بثه عمر في الأمة. فالأمة لا تقاوم عودة الجور وكأنها حجرة على رقعة شطرنج لا فعل لها ولا رأي. بل وكأنها لم تجد في العدل الذي ذاقته أي محفز لها للحفاظ عليه. فكل ما هنالك وفق هذه الصورة هو تصرف القوى الكبرى في المجتمع، فيتغير الحال بحسب نتيجة الصراع بينها. ولعلنا نجد بعض التجليات المعاصرة لهذه الرؤية في تقييمنا لدور القوى العظمى ـ القوى المحلية أو الدولية ـ في مآلنا اليوم، فنتحدث عن مصائرنا وكأنها مجرد نتيجة لمجموعة قرارات تتخذ من قبل القيادات السياسية العالمية والمحلية.
من جهة أخرى، نجد أن القصة تجاهلت مجموعة مهمة من الحقائق السياسية والاجتماعية والاقتصادية حول التغيير. لقد تم اختصار التغيير في تغير طبيعة القرارات المتخذة من قمة الهرم السياسي… فطبيعة القرارات التي كان يتخذها عمر رحمة الله عليه، كانت تختلف عن طبيعة القرارات التي كان يتخذها سليمان ومن كان قبله، وهذا الاختلاف كان هو السبب في اختلاف حال الأمة. ومع الاقرار بأهمية اختلاف طبيعة القرارات السياسية على الواقع العام للأمة، إلا أن تلك القرارات لا تتخذ إلا ضمن نظام اجتماعي وسياسي واقتصادي موجود سلفاً. ذلك النظام يلعب دوراً بارزاً في تأثير تلك القرارات سلباً أو إيجاباً. فلو كان النظام صالحاً فإنه يحد من أثر القرارات الفاسدة، ولو كان فاسداً فإنه يحد من أثر القرارات الصالحة. ولكن القصة كما تحكى، وكما نفهما اليوم تقوم بعزل قرارات عمر رحمه الله عن النظام التي وجدت ضمنه، ولذلك فإننا وجدنا أنه بمجرد تغير طبيعة القرار فإن الفقر انتفى. وانتفاء الفقر يعني قطعاً انتفاء الظلم الاجتماعي، إذ إن الفقر لا يوجد إلا بوجوده. إن التغيير لا يمكن أن يتحقق بتلك الدرجة إلا إذا تغير النظام القائم من نظام يعزز الجور إلى آخر يعزز العدل، وتغير النظام أعم من تغير الحاكم أو طبيعة قراراته، إنه تغير في طبيعة القيم التي تسود المجتمع، تغير في طبيعة العلاقات الاجتماعية بين أفراده، تغير في طريقة تعامل القوى مع بعضها البعض.
من جهة ثالثة فإن القصة ألغت عامل الزمن في التغيير. فإن التغيير الذي ادعته حصل في ظرف لم يتجاوز سنتين ونصف. هذا الاختصار للزمن يجعل من التغيير في حال الأمة وكأنه مجرد حركة لعصا سحرية يتغير بها الحال من لون إلى آخر. إن حكم عمر لم يتجاوز سنتين ونصف، ومع ذلك يعزى إليه تغييرات جذرية طالت أكثر من نصف قرن من الزمان.
إن وصول عمر بن عبدالعزيز إلى الحكم كان حدثاً مهماً بكل المقاييس، وكان يمكن أن يكون له آثار عميقة على واقع الأمة، ولكن قصر الفترة التي حكمها، وغياب الأمة ، ولكنه لم يكن له الأثر الذي رسمته المصادر التاريخية على حال الأمة. ولو كان التغيير قد وقع فعلاً، لما أمكن ليزيد بن عبدالملك أن يعيد الأمور إلى ما كانت عليه بمجرد وصوله إلى الحكم. إن الفهم السائد لقصة عمر بن عبدالعزيز قد غيب الأمة عن التغيير المطلوب، ثم اختصرت التغيير بتغير طبيعة القرارات المتخذة، وألغت عامل النظام في رسوخ الفساد أو دوام الصلاح، وتجاهلت دور الزمن في حصول أي تغيير جذري.
إن ما أريد قوله هنا هو إننا نجني على أنفسنا لما نعلق الآمال كثيراً على تغير الواقع بمجرد تغير وجهة القرار. إن التغيير يحتاج إلى تغير في القرار، ومشاركة وتضحية من الأمة، وتغيير في النظام السائد بينها، ثم لا بد لنا من الانتظار لفترة زمنية قد تطول المعاناة فيها وتشتد، ومع ذلك كله لا بد من الثقة بحضور الله جل جلاله معنا، ومراقبته لأفعالنا، وإثابتنا على كدحنا.
عبدالله حميدالدين فبراير 3rd, 2007
في القرن الثامن عشر خرج كتاب بعنوان: ثراء الأمم، وواضعه هو الانكليزي أدام سميث والذي يعتبر الملهم لأحد أبرز نظريات الاقتصاد الغربي المعاصر. في ذلك الوقت كان الكتاب، كما يوحي عنوانه، يبحث ـ ضمن غيرها من المباحث ـ في الأسباب التي توصل الأمم إلى الثراء والرفاه.
وآنذاك كان التفاوت في المعيشة بين شعوب العالم محدوداً. فعلى سبيل المثال، في تلك الفترة، لم يزد دخل أغنى دول العالم عن دخل أفقرها بخمس مرات.
اليوم، وبعد ثلاثة قرون من الزمان تقريباً، صار دخل أغنى دول العالم يزيد بـ400 مرة عن دخل أفقر دول العالم!!
إننا اليوم صرنا نعيش في عالم من سماته الأساسية التفاوت الفاحش بين الكيفية التي تعيش بها الإنسانية. فبينما نجد أمماً تنفق شعوبها مبالغ هائلة لتحافظ على انخفاض وزنها ورشاقة أجسامها، نجد شعوباً تعيش من أجل لقمة قاحلة تتقاسمها عدة أيدي، كما نجد أخرى لا تعرف شعوبها متى يكون شبعها.
والمسافة بين الأغنى والأفقر في اتساع مستمر، ولا يلوح في الأفق أي أمل.
في مثل هذا الواقع لا يستغرب أن يخرج لنا كتاب يبحث، ليس عن ثراء الأمم فحسب، وإنما عن فقرها أيضاً. كتاب يحاول إلى يستقصي الأسباب التي أوصلت الشعوب إلى ما عليه اليوم فقراً وغنى، تقدماً وتأخراً. كيف ولم وصلت الشعوب إلى ما هي عليه؟ لماذا صارت الدول الغنية فاحشة الثراء؟ ولماذا الدول الفقيرة كذلك؟ لماذا أمسكت الحضارة الغربية بزمام القيادة في تغيير العالم؟
وهذا السؤال نسأله دوماً: لماذا تأخرنا وتقدم غيرنا؟ وهو سؤال طبيعي أن يطرحه المسلمون لما لهم من سوابق حضارية مبهرة. وقد عالج المؤلف نفسه موضوع تأخر الحضارة الإسلامية في فصل يثير مجموعة من التساؤلات تحت عنوان: هل أخطأ مسار التاريخ؟ ولا شك أن الجواب على نحو هذا السؤال واضح للجميع. كلا!! لم يخطئ التاريخ. وإنما أخطأت القيادات السياسية والاجتماعية والدينية للمسلمين، فأوصلتنا إلى ما نحن عليه اليوم. وتتحمل الشعوب نصيباً كبيراً من مسؤولية ما هي عليه اليوم، ذلك أنها تخلت عن إرادتها، فاستحقت ما وقع عليها.
وللإجابة على السؤال الذي وضع في عنوان الكتاب أسلوبان. الأسلوب الأول وهو الأهم:
نظري: يبدأ بذكر الأسباب التي تؤدي إلى تقدم وتأخر الأمم، مستشهداً عليها من التاريخ، أو من بعض الوقائع الاجتماعية المعاصرة، أو بالبداهة النظرية.
الأسلوب الثاني: يؤرخ لانطلاق الحضارة، وأفولها، وفي خلال ذلك يقدم لنا مجموعة من الأحداث التي يمكن من خلالها استخلاص مجموعة من النظريات حول تقدم وتأخر الشعوب. ونحو هذه الكتابة الأخيرة، لا بد وأن تنطلق من أرضية نظرية بنحو ما، لأن لا يمكن لكاتب أن يؤرخ لحدث إلا ولديه معايير تحدد له الأحداث التاريخية التي لا أهمية لها، والأحداث التي لها أهمية.
الكتاب الذي بين أيدينا أخذ بالأسلوب الثاني، فهو يؤرخ بشكل مفصل إلى حد ما لصعود الحضارة الأوروبية، ويشير خلال ذلك إلى أفول الحضارات الأخرى، بما في ذلك تأخر دول أوروبية كانت في القمة نحو أسبانيا. ويلمس القارئ له الجهد المبذول فيه، ومجرد الاطلاع على لائحة المراجع التي اعتمدها الكاتب، والتي أخذت سبعين صفحة من صفحات الكتاب، قد تكون مؤشراً محدوداً لذلك الجهد. ومع ذلك فالكاتب لا يدعي إلا أنه مقاربة في الإجابة على مثل ذلك السؤال.
والكتاب عموماً مرجع تاريخي جيد، ولكن القارئ قد يجد أن بعض الأحداث التي فيه تستحق اهتماماً أكثر من غيرها، بسبب تقاطعها الملفت للنظر مع واقعنا المعاصر. أحداث سلبية نجدها تتكرر اليوم، وتقوم بنفس أو بعض ما قامت به في الأمس. وأخرى إيجابية نجد أنفسنا نجتهد في عدم تكرارها، وإعادة صنعها، بل ونقاوم من يعزم على القيام بذلك. أحداث تحكي جزءا من أسباب ما نحن فيه اليوم، بل ولعلها تنبئا بما سيؤول أمرنا إليه. وبعضها أحداث بسيطة، وفي بساطتها يقع عمق تأثيرها. وكم تغير مسار الشعوب بسبب حدث، يرى المطلع عليه بعد حدوثه أن صانعه كان غافلاً للغاية أو غير ذلك من النعوت.
وقد استعرض لنا الكاتب بعض الاجابات السريعة على ذلك السؤال. فينقل عن البعض إجابات من نحو: الأوروبيون أذكى، وأكثر تنظيماً، ومجدون في عملهم، وأما الآخرون فكانوا جهلة، مغرورين، كسولين، متأخرين، خرافيين. كما ينقل نمطاً آخر من الإجابة نحو: الأوروبيون كانوا عدوانيين، بطاشين، طماعيين، منافقين، وضحاياهم كانوا سعداء، أبرياء. وآخرون يكتفون بأن يقولوا إن دول أوروبا ركبت موجة التقدم الذي صنعته حضارات سابقة.
كما أشار إلى رؤية جغرافية في الإجابة على ذلك السؤال، فبين لنا كثيراً من التفاوت في الظروف الطبيعية للدول الغربية مقارنة بالدول الفقيرة. ولكن بمجرد ما أن يتجاوز القارئ الحديث عن هذا التفاوت، وبمجرد ما أن يطلع على الأحداث التي تتابعت حتى ينسى تلك الإجابات الاستعلائية، أو “التواكلية”، أو الجغرافية، ويشعر أن السبب يعود لعوامل تتجاوز كل ذلك، عوامل يقع في عمقها وقلبها العامل الثقافي.
فالكاتب يبدأ برسم صورة لأوروبا في القرن العاشر الميلادي. وهي صورة كئيبة للغاية، لواقع مرير خرج للتو من معاناة طويلة من الغزو، والدمار، والهلاك من الأعداء من كل جهة. صورة لا يمكن للمرء أن يجد فيها أي ملامح لأمة انطلقت فيما بعد لتحكم العالم أجمع.
ولكنه في الوقت نفسه يشير إلى مقومات أساسية وجدت آنذاك، عليها ارتكزت الحركة الحضارية لتلك الشعوب، وبها تقدمت، حتى وصلت إلى مرحلة استطاعت فيها أن تتجاوز ذاتها لتسيطر على العالم. هذه المقومات يجدها الكاتب في الثقافة الشعبية آنذاك التي كانت تمجد مبادئ الحرية، والمشاركة السياسية، وقداسة حق الملكية، ورفض التبعية المطلقة، كل ذلك من خلال قصص، وأساطير، وأخبار تجد جذورها في الحضارة اليونانية. ويرى الكاتب أن هذه الثقافة الشعبية حمت الشعوب الأوروبية من أن تتحول إلى شعوب مسحوقة، لا يمكنها أن تتخذ قرارها، ولا أن تصنع تاريخها، بالرغم من فترات طويلة ساد في أوروبا وضع ساحق. وعلى أرضية تلك الثقافة الشعبية تم إحياء الحضارة اليونانية في أوروبا بمبادئها السياسية والأخلاقية، ومن ثم بدأت نهضتهم.
أختتم الكلام بقصة أوردها الكاتب، وقد يكون فيها بعض المبالغة، ولكنها تحكي واقعاً نلمسه كثيراً.
في تلك الفترة يحكى أن أهل بلخ تعرضوا لهجوم من قبل بعض البدو فترة غياب حاكمهم في حرب مع الهنود. وقد قاوم أهل البلدة بشدة، واستبسلوا، دفاعاً عن أنفسهم، وأملاكهم، وأملاك حاكمهم، ولكنهم هزموا أخيراً. لما عاد حاكمهم استطاع أن يستعيد البلدة من أولئك البدو. ثم لما عرف بسلوك أهل بلدته وبَّخهم، قائلاً لهم إن الحرب ليست مهمتهم. إن مهمتهم الوحيدة هي دفع الضرائب، والخضوع لمن حكمهم أياً كان. فما كان من وجهاء البلدة إلا أن اعتذروا على فعلتهم هذه ووعدوا بأن لا تتكرر.
عبدالله حميدالدين فبراير 3rd, 2007
يمكن القول أن “السطحية في التغيير” من أبرز المشكلات التي لم تستطع المجتمعات العربية تجاوزها منذ “عصر النهضة”. فالتغيير الذي أصابنا على مختلف المستويات وعبر التيارات الأيديولوجية المتباينة، إنما كان في المظهر والشكل فحسب. وأما الأسس التي يرتكز عليها الكل في تعاملهم مع الواقع وهي القيم والانطباعات فتكاد تكون هي نفسها، بقطع النظر عن التنوع الشكلي الموجود بين تلك التيارات، على مختلف الأصعدة السياسية والاجتماعية والاقتصادية.
إننا نملك الطرق والمباني والطائرات وأجهزة الاتصال والحواسيب وغيرها من مظاهر مادية، كما لدينا مؤسسات تعليمية، وحكومية، واقتصادية، وغيرها من المظاهر غير المادية. وأصبح تقييمنا لأنفسنا يستند بدرجة عالية إلى تلك المظاهر والشكليات، دون الالتفات إلى المضمون القابع والمستتر خلف تلك المظاهر، حيث حمى ذلك المضمون ذاته من نفاذ نظرات التأمل التي كان يجب أن تخترق حجبه الكثيفة. بل وصل الأمر إلى أننا بتنا نقيس درجة حضارتنا وتقدمنا من خلال معيار قدرتنا على استهلاك ثمار غيرنا من الحضارات المنتجة للتقدم. وأما واقع الحال، فلا يمكن لنا أن نقول إن أرقى مدينة عربية بكل ما فيها من مظاهر مادية وثقافية متقدمة حضارياً على إحدى مدن أفريقيا السوداء. بل قد نجد في بعض الحالات مجتمعات لا تملك من الشكل شيئاً، ولكنها من حيث المضمون أغنى وأثرى مما نحن عليه.
إن جميع مجتمعاتنا ـ المحافظة منها أم الليبرالية ـ لا زالت كما كانت؛ تستورد أشكال الحداثة دون أن تستوعب مضامينها. فمع جميع المظاهر التي لدينا، لنا أن نتساءل: هل مصدر المعرفة عندنا العقل والعلم أم التقليد؟ هل الحقيقة تتأسس على التجربة والممارسة العقلية والتفكير المنطقي أم أنها تخضع لاعتبارات تتنافى مع ذلك كله؟ هل حكوماتنا تخضع للقانون أم لإرادة الفرد؟ هل استطعنا أن نوازن بين حسابات ومتطلبات العلاقات الأسرية وسلطة التقاليد القبلية والعشائرية وبين متطلبات المسؤوليات العامة والقيم المهنية؟ هل تخلصنا من الخرافات السائدة بيننا قروناً من الزمان؟ هذه الأسئلة وغيرها تظهر لنا بجلاء أننا لم نبرح مكاننا منذ عقود.
إن المظاهر التي تخفي ما بنا من تخلف حضاري لها ثلاثة أوجه:
1.مادي محض، نحو الطرق، والمباني، والتقنيات، والخدمات المتوفرة وغيرها من الوسائل التي أخذناها ـ وبشيء من التشويه ـ من حضارات غيرنا، فاستبدلنا بها واقعنا السابق الذي خلى منها.
2.ووجه مؤسساتي: يتجلى في المؤسسات التي استجلبناها سواء كانت مؤسسات سياسية من نحو السلطات الثلاثة التنفيذية والتشريعية والقضائية والعلاقة بينها، أو اقتصادية من نحو أنظمة البنوك المركزية والتجارات الدولية، أو اجتماعية نحو المؤسسات المدنية وغير ذلك.
3.ووجه ثقافي يبرز في رفع شعارات فكرية حديثة ذات منطلقات علمانية غربية باختلاف ألوانها ودرجاتها، في مقابل الشعارات التقليدية القائمة أساساً، والتي يمكن اعتبارها شعارات دينية في محصلة الأمر مهما تنوعت.
وبشيء من التأمل، سنجد أن التباين بين منطق الآخذين بأحد تلك الشعارات يخفي من ورائه وحدة تقودنا إلى ساحة فكرية تجمع الحداثي، والشيوعي والملحد والعلماني والإسلامي والصوفي و…إلخ فنحن إذاً أمام شخص اعتباري واحد يتنوع في مظهره بحسب الظرف الذي يملي شروطه عليه في حين جمود عقلية تعامله مع الواقع .
ما سبق كان لأننا ومنذ “عصر النهضة” لم نكن أصحاب مدارس فكرية مستقلة، بل لم نستطع الاقتراب من تلك الاستقلالية، فغاية ما قمنا به هو استنساخ أفكار ورؤى وأدوات “الآخر”. وفي المقابل يوجد اتجاهٌ رفَض “الآخر” محدثاً قطيعة معه، ولكن تاه في ماضيه ليبحث عن حاضر له. والجميع نزل رؤيته وقناعاته المستنسخة على واقعه دون إعادة إنتاج لها وفق رؤية ذاتية خالصة ومعالجات خاصة من شأنها أن تكون منطلقاً تأسيسياً في تشكيل مدارس فكرية تتسم بالأصالة والمعاصرة في آن واحد وتنطلق من رؤيتنا لواقعنا، وتفاعلنا الايجابي معه.
ونتيجة لذلك أصبحنا بين سنديان طرف تقليدي تابع للماضي بشكل مطلق يكبِّل الإرادة والإبداع باسم الأصالة والتدين، ومطرقة تقدمي تابع للمنظومات الحضارية الغربية ، يكبلهما باسم الحداثة والدخول إلى العصر. ولكن كليهما لا يقدم للأمة ما تحتاجه هي بل ما كان ” نافعاً ” لغيرها . إضافة إلى أنهما يقيدان حرية العقل، مع اختلاف سطحي في الأسلوب. فأحدهما يقيده لصالح عقل التقليدي وما يمثله من استيعاب تام للتراث بكل مشكلاته، والآخر لصالح عقل المنظر الغربي وما يمثله من قوة حضارية مادية وفكرية قاهرة. ومن دون شك فالتقدمي، وخصوصاً الغربي منه، سوف تكون له جاذبية أكبر على المدى البعيد، وبالتالي يقل بالتدريج عدد من يتعاطف مع التراث المتعلق بأهداب الماضي ، ليس بسبب قوة طرح التقدمي، وإنما بسبب ضعف نموذج التراثي الماضوي.
وفي كل الأحوال فإن الأمر في عمقه يستوي بين انتماء إلى نمط ثقافي تقليدي أو إلى نمط ثقافي حديث، والفرق بينهما يتجلى في أكثر من قضية من أبرزها ” ذهنية الاستهلاك “، فيتحول الصراع الفكري من صراع يراد منه تقديم فلسفة حياتية يمكنها أن تدفعنا نحو خلق واقع خاص بنا، إلى صراع حول مقدار ما يجب أن نستهلكه من الحضارات الأخرى . والشواهد على هذا تتعدد، ولا أريد أن أخص خطاباً دون آخر بالإدانة قدر أن أشير إلى جوهر المشكلة ، وللمراقب أن يتابع مظاهر المطالبة بالأصالة، وتلك التي تدعو إلى الحداثة، وينظر إلى أي حد يشكل المظهر النتيجة النهائية المطلوبة لكل طرف من الأطراف.
نعم! هناك حالات فردية كثيرة تجاوزت الواقع الذي هي فيه، وسعت لأن تفكر خارج حدود ما رُسِم لها، وعملت على تجاوز الأسوار المضروبة على عقولها وعقول غيرها، ثم سعت في نقل مشاهداتها إلى من سواها لرفع مستوى إدراكهم إلى سماوات الوعي . وهذه حالات لا تنتمي إلى تيار دون آخر، بل تتوزع عليها جميعاً، كما تتناقض فيما بينها كثيراً، ولكنها في نهاية الأمر محاولات جادة لتجاوز الشكل والنظر في العمق . ومع ذلك فقد ظلت حالات عزلها واقعها، واكتفى جمهورها بأن أخذ كل منهم الشكل الثقافي الملائم له، تاركاً ما سوى ذلك.
وبناء على ما سبق، فإن تقييمنا لأي صراع فكري بين أطراف متعددة يجب أن يستند أولاً إلى تقييمنا لمدى العمق الذي وصل إليه كل طرف في الانسجام مع فكرته. فبذلك فقط نستطيع التمييز بين الأفكار المتصارعة وذهنية الاستهلاك.
عبدالله حميدالدين فبراير 3rd, 2007
الأحداث التي استهدفت أبرياء في العالم العربي تترك أي تفسير أو تحليل أو حتى محاولة متابعة في حالة من الإرباك الشديد. فالأفكار تتسابق في محاولة منها لأن تسبق أحداثٍ أسرع، وإذ تتسابق فإنها أيضاً تتصادم وتفقد التنظيم ويحصل الارتباك. وما يخشاه المرء أن تبقى الأفكار متأخرة عن الأحداث، بحيث غاية ما يمكنها هو أن تصف الحدث بعد وقوعه، دونما أن تسبق الحدث بحيث يمكن للفعل المسؤول أن يقف حائلاً دون وقوع المصيبة.
إن الوحشية الإسرائيلية في فلسطين ما كل ما تخلقه فينا من رفض وسخط إلا أنها تقع ضمن العنف “المعقول”، هذا إذا صح لنا أن نقول إن العنف معقول من أصله. إنها وحشية تقع من عدو، وهذا يكفي لفك اللغز حول سبب وجوده. أما العنف الآخر فهو يقع من الأخ وابن العم وابن العشيرة وابن القرية وابن الوطن. في العنف الآخر فإننا أمام لغز محير. ما هو الذي يحول من هو مِنَّا إلى عدو لنا؟
لا يعني هذا السؤال أننا نبرر العنف الواقع، فلا يوجد مطلقاً ما يمكن أن يبرر عنفاً يستهدف الأبرياء. ولكن مجرد التفكير في إيقاف العنف بدون البحث عن أسبابه غير معقول، بل وغير ممكن.
إن النظر في تاريخ حركات عنف مثل الجيش الجمهوري أو منظمة إيتا أو الجيش الأحمر أو غيرها من الحركات التي استهدفت الأبرياء، إن تاريخها يدل بوضوح على أنه يمكن لعدد بسيط قد لا يتجاوز المائة يمكنه أن يطال عشرات الآلاف بالقتل أو الضرر.
أيضاً يدل ذلك التاريخ على أن القدرة الاستخبارية وحدها لم تكن كافية في منع تسليح حركات العنف، كما لم تكن كافية في وقفه. وعلى سبيل المثال استطاع الجيش الجمهوري أن يعمل عقوداً من الزمان بالرغم من كل القدرات الاستخبارية والأمنية المتوفرة بين يدي الحكومة البريطانية.
لقد ولدت حالة من العنف لم تشهدها المنطقة، ولا يمكن أن توأد نهائياً إلا بمعرفة أسباب ولادتها الأصلية.
وقد قرأنا جميعاً عن الكثير من تلك الأسباب التي أظهرتها دراسات ومتابعات لحركات العنف في الدول المختلفة. فسمعنا عن نفسيات إجرامية لدى المنفذين، أو إيديولوجيات تزكي العنف مطلقاً، أو ردود أفعال لأوضاع محلية اقتصادية أو اجتماعية أو سياسية، أو ردود أفعال لأحوال إقليمية تمس الفرد في عمق وجدانه، أو صراعات بين مراكز قوى محلية أو إقليمية أو دولية.
وعند تحليل هذه الأسباب وغيرها، وعلاقتها بالعنف القائم علينا تجنب بعض أخطاء يجدها المرء هنا وهناك.
من تلك الأخطاء التي نمارسها هي التبسيط في التحليل، حيث نرجع هذه الأحداث إلى سبب واحد دون غيره. واختيار سبب دون آخر يعود غالباً إلى أغراض التوظيف السياسي للآلام التي تصيب الأبرياء. فنجد أنفسنا في أكثر من حالة أمام محللين لديهم “أجندات” خاصة لتصفيات حسابات سياسية ضد خصومهم. ويتحول التحليل من محاولة في الفهم إلى محاولة في السياسة، ومن خطاب إدراك إلى خطاب إعلام.
ويجد مثل هذا التحليل الآحادي صدى لدى كثير من الناس بسبب بساطته، في حين أن علينا أن ندرك أن أي حدث اجتماعي مهما كان لا يمكن أن يُرجع إلى سبب واحد فحسب، بل إلى مجموعة من الأسباب المتفاعلة.
وإذا ما أغضضننا النظر عن بشاعة استخدام آلام الغير لخدمة أجندات سياسية خاصة، فإن مثل هذا التصرف يؤدي إلى أمرين معاً:
1.من جهة يفقدنا الرؤية السليمة لفهم المشكلة كما هي، وبالتالي نفقد القدرة على حلها والخلاص منها.
2.ومن جهة أخرى، فإن “تسييس الفهم” غالباً ما يؤدي إلى تغذية الأسباب المولدة للعنف لما يسببه من استفزازات أو يؤدي إليه من قرارات.
وبالتالي فإن تلك التحليلات لها دورها غير المباشر في استمرار دوامة العنف وفي تغذيتها.
ومن الأخطاء الأخرى التي تُمارس هي الكلام عن الدوافع لدى مخططي العنف، ومموليه، ومنفذيه وكأنها مشتركة ومتجانسة. في حين أن الواقع قد يختلف. فقد يكون لمخطط أو ممول ما دوافع ونوايا سياسية محضة، ولآخر دوافع اقتصادية ولغيره مجرد انتقام أو إجرام. هذا في حين أن منفذاً ما قد ينطلق من مثاليات وهمية، وغيره من إحباطات متتالية، وآخر من يأس من الحياة بما فيها، ورابعاً من الإيمان بضرورة الموقف الذي هو عليه.
وبالعودة إلى الأسباب المؤدية للعنف، سنجد أننا أمام خطأ من نوع آخر. ذلك أن الكثير يتكلم وكأن الآثار الناتجة عن الأسباب ثابتة، في حين أن تأثير الأسباب يختلف باختلاف المحيط الذي يوجد فيه السبب. وعلى سبيل المثال لو أخذنا الأيديولوجيات التي تدعو أو تزكي العنف، فإننا سنجد أنها وحدها وبذاتها لا تنتج العنف نفسه الذي تنتجه لو وجدت في محيط فيه سخط سياسي أو حرمان اقتصادي. فالعنف الذي تنتجه في حالة الرخاء السياسي والوفرة الاقتصادية غالباً ما يكون لفظياً أو غير دموي، وإذا ما تجاوز الأمر إلى الحالة الدموية فإنه يكون غالباً طفرات فردية ولا يتحول إلى تيار وجماعات. في حين أن حالة عدم الرخاء السياسي والحرمان الاقتصادي تجعل من تلك الأيديولوجية نفسها وقوداً أساسياً لتغذية تيار أو جماعة عنف كثيراً ما تكون دموية. فالأثر عن تلك الإيديولوجية اختلف باختلاف الظرف الذي وُجد فيه. عدم التنبه لهذا يعني أن رد فعلنا نحو تلك الإيديولوجيات قد يكون هو نفسه المؤدي إلى تفريخها العنف، وإخراجها من حالة الكمون إلى حالة الفعل.
خطأ آخر نمارسه هو الخلط بين السبب والشرارة. فالشرارة تخرج السبب من الكمون إلى الفعل. هي أشبه بعود كبريت صغير يمكن أن يؤدي إلى حرق غابة بأكملها. والخلط يجعلنا نركز جهدنا على إطفاء الشرارة أو الكبريت في حين أن دوره لا يتعدى إشعال النار. فقد يكون السبب الكامن هو تراكم القهر والسخط لأسباب اقتصادية وسياسية، والمنتظر أي شرارة من أي جهة تقوم بإشعاله وتحويله إلى مولد للعنف. وقد تكون الشرارة صراعات سياسية محلية أو إقليمية، كما قد تكون غيرها. وأياً كان الأمر، فإن علينا التمييز بين ما هو وقود يبقى مغذياً للعنف، وبين ما هو ثقاب كبريت ينتهي فعله بمجرد قيامه بدوره.
أياً كان الأمر، فإن الغرض المشترك بين جميع العقلاء هو إنها العنف، والقضاء على أسبابه بحيث لا يعود للظهور مرة أخرى. وما دام كان هذا هو الغرض فعلينا التأمل كثيراً قبل الإقدام بأي خطوة. إننا نمشي في طريق ملغومة، ومجرد الجري فيها بسبب الخوف من الوقوع على لغم لا يعني إلا مزيد من الانفجارات.
عبدالله حميدالدين فبراير 3rd, 2007
طرح الأسئلة هو بصعوبة وضع الإجابات، بل أصعب في بعض الحالات.
موضوع المرأة يحتل مكانة كبيرة في هذه الفترة لدوافع سياسية واجتماعية واقتصادية وحقوقية ومعرفية. ولا شك أن اختلاف الدوافع سيعني اختلاف نوع الطرح عمقاً وأصالةً، لأن كل طرح سيكتفي بتحقيق الدافع له. ويُلاحظ أن التوجه العام للحوارات والبحوث التي تتناول المرأة خصوصاً في منطقة الخليج هو نحو وضع حلول. أي إنها افترضت سلفاً وجود مشكلة عامة للمرأة تتلخص في حرمانها من حقوقها وانتقاص إنسانيتها. ثم إنها افترضت أيضاً تجليات تلك المشكلة ضمن دائرتين هما: حرمانها من المشاركة في الحياة العامة، والتضييق عليها في حياتها الخاصة. مقدمة مع ذلك حلولاً تنوعت بتنوع الخلفيات والاجتهادات والمصالح؛ أو منكرة وجود مشكلة ما من أصلها.
ما يجب أن يضاف إلى تلك الحوارات والبحوث، أو يتقدمها، هو معالجة الأسس الفلسفية والمعرفية لموضوع المرأة. وذلك بأن تدرس ماهية مشكلة المرأة، وتحدد آليات المعالجة بالاستناد إلى أسس معرفية واضحة ومتينة، بحيث يمكن على ضوء ذلك وضع الأسئلة وبيان مشروعيتها.
والواقع هو غياب نحو هذه الأسئلة، أو على الأقل قلة حضورها.
إن القضايا المشكلة تُعالج بأسلوبين: أولهما وفق الكيفية التي تُظهر المشكلة نفسها لنا. وثانيهما وفق الكيفية التي نحن نرى المشكلة. المعالجة بالأسلوب الأول غالباً ما تكون انفعالية، وغير مطردة المنهج والأسلوب ومتغيرة بتغير الظروف. المعالجة الثانية تكون فاعلة، ذات استقرار وثبات نسبيين.
المعالجة الثانية لا تتأتى ما لم يكن هناك تفلسف وتجريد. التفلسف يضع الأسئلة التي علينا أن نجيب عليها، ويحدد المنهج المعرفي الملائم لتناولها. والتجريد يضع تلك الأسئلة في شكل بنيان ذهني مجرد يمكن تصوره بحيث يتأتى علاجه.
والمعالجة المنظمة لمشكلة المرأة في تجارب الحضارة الغربية تعود إلى منتصف القرن التاسع عشر. أي لدينا تجربة يزيد عمرها على قرن ونصف. في تلك التجربة نجد أنه بالقدر الذي كان هناك نشاط عملي لتحرير المرأة، فقد كان في المقابل نشاط آخر نظري يعمل على تحديد طبيعة مشكلة المرأة. ونجد في تلك التجربة أن تطور البحث النظري كان له مساهمة أساسية في صياغة الحلول التي قدمتها الأنشطة العملية. ولا يعني هذا الموافقة على النتائج التي توصلوا إليها، أو حتى الاختلاف معها، وإنما الإشارة إلى أن مساري التنظير والعمل يجب أن يسيراً معاً.
غياب مثل هذه الأسئلة يكاد يكون عاماً من خطابات النخب والمفكرين وقادة الرأي والمهتمين بقضايا المرأة، بل حتى في بعض المؤتمرات والندوات التي قامت لتؤصل واقع المرأة، وتعزيز دورها في المجتمع والتغلب على المشكلات التي تواجه مسيرتها سواء في المجتمعات الإسلامية أو العربية. إننا نسمع ونقرأ عن طروحات لقضايا تتناول الحقوق والواجبات الشرعية للمرأة، وأخرى تتناول المرأة والعمل، وأخرى المرأة والتعليم، وأخرى المرأة والمجتمع؛ ولكن لا نجد ما يتناول مفهوم “المرأة” نفسه، أو تحديد “هوية المرأة” التي نريد معالجة مشاكلها، أو تحديد لمفهوم “المشكلة” من حيث تحديد متى تكون قضية ما مشكلة، وعلاقة ذلك بالسياق الظرفي اجتماعياً، واقتصادياً، وسياسياً. وهذه قضايا من الأهمية بمكان وتفتح للبحوث في قضية المرأة آفاقاً غير منظورة.
مناسبات متعددة وفريدة لوضع معالم في طريق معالجة قضايا المرأة، ومع ذلك يفوت كثير منها طرح الأسئلة الجوهرية تلك. ولا أجد تسويغاً لذلك الغياب إلا ضيق الآفاق للمادة النظرية المقبول طرحها، أو النفور التقليدي لكثير من الباحثين عن التأسيس النظري.
إن كلمة “امرأة” في الخطاب العام البسيط لا تعني أكثر من الأنثى. أي ذات مضمون بيولجي محض. وهو مضمون يعالجه علماء الأحياء معالجة مناسبة. أما في السياق الاجتماعي فإننا نتناولها من أبعاد مختلفة تماماً. إنها أبعاد قد تبدأ من المضمون البيولجي ولكنها لا تنتهي عنده قطعاً. فالواقع الاجتماعي يضيف على ذلك المضمون البيولوجي مجموعة من المعاني. فهي الأم، والبنت، والزوجة، ورقيقة البنية، والعاطفية، وأيضاً “الآخَر” بالنسبة للرجل، كما إنها “آخَر” بالنسبة لنفسها ولغيرها من الهويات الاجتماعية. تلك الأبعاد الاجتماعية تفرض طرح أسئلة جديدة لدى فئة من المفكرين حيث يرون أنه لا بد من تناول تلك المعاني واحدة واحدة، وتحديد أياً منها يقدم مشكلة خاصة بالمرأة البيولوجية، وأياً منها مشترك بين المرأة البيولوجية وبين الرجل البيولوجي، وأياً منها يعتبر مشكلة للمرأة، وأياً منها يعتبر مشكلة لكل رقيق بدن، ولكل عاطفي، ولكل طفل… إلخ. في حين أن هناك فئات أخرى لا ترى في وجود تلك الأبعاد ما يوجب إعادة النظر إلى الأسئلة المطروحة حول موضوع المرأة.
أياً كان الموقف الصائب، فإن الاختيار لا بد أن يستند إلى البحث الواعي، إلا أنني أرى أن تحديد هوية المرأة ذات قيمة مركزية. فالهوية هي الأساس في تحديد مصالح الذات، وأيضاً في تحديد الدور المتوقع من تلك الذات. ولا يصح لنا أن ننطلق من التحديد الأنثوي للمرأة عندما نريد أن نتناولها من بعدها الاجتماعي. لا يمكن تحديد هوية المرأة من خلال وجودها البيولوجي إلا إذا كنا نريد أن نجري بحثاً بيولوجياً. وأما إذا إذا أردنا أن نصنع معرفة اجتماعية فلا بد من تحديد هويتها من خلال وجودها الاجتماعي، وهو وجود يختلف قطعاً عن البيولوجي.
إن ما سبق يحوِّل السؤال “من هي المرأة؟” من سؤال بديهي في ظاهره إلى إشكالية بذاتها. إشكالية مستقلة عن كل حديث عن مشاكل المرأة، ولكن في الوقت نفسه تؤسس لكل الأبحاث الاجتماعية عن المرأة.
أيضاً فإن لتحديد هوية المرأة دوراً أساسياً في تحديد الآخَر بالنسبة لها. والآخر من المفاهيم الأساسية التي توضِّح لنا المتوقع من التفاعلات الاجتماعية. وهناك جدل كبير حول ما يمكن أن تتضمخ عنه العلاقات بين الذات وبين الآخر من: علاقات صراع بينهما، إلى علاقات إلغاء، إلى علاقات تكامل. كما يمكن أن تكون العلاقة من علاقات التكوين التبادلي حيث يسهم الآخر في صناعة الذات، وتسهم الذات في صناعة الآخر في علاقة دائرية تارة تنطلق من نقطة لتعود إلى ذاتها فتعزز ما هو موجود من هويات وعلاقات، أو في علاقة حلزونية حيث لا يتم البدء والانتهاء من نقطة واحدة، وبالتالي تكون الهويات والعلاقات في تغير مستمر. مهما كان الأمر، فإنه لا بد من تحديد للآخر بالنسبة للمرأة. لا بد من معرفة ذلك الآخَر الذي علينا أن نحدد العلاقة بينها وبينه. هذا الآخر وفق رؤية تلقائية هو الرجل، ولكن هذه الرؤية التلقائية قاصرة، وتقدم مشكلة بذاتها. لماذا نعتبر أن المرأة آخَرها الرجل؟ ولماذا نعتبر أن آخَر الرجل هو المرأة؟ هل هو التعريف البيولوجي لكل من الرجل والمرأة؟ أم هل هو الاعتقاد بضرورة الاشتراك بين الذات والآخر في المحدد الأساسي للهوية؟ وبالتالي فإننا لما اعتبرنا أن محدد هوية المرأة هو بيولوجي، افترضنا أنه لا بد من أن يكون آخَرها محدداً بيولوجياً أيضاً. في كل الأحوال يبقى السؤال قائماً: من هو آخَر المرأة؟ الرجل؟ أم الأقوى؟ أم الثقافة؟ أم التاريخ؟ المجتمع؟ بل هل تكون المرأة آخر المرأة في علاقة جدلية بين الذات ونفسها؟ أم كلهما معاً ولكن في سياقات مختلفة؟
أسئلة لا أدعي إجاباتها ولكن أرى أن طرحها لازم. إننا نتكلم عن واجبات المرأة، وعن حقوقها، وعن المساواة من أجلها، وعن حرية المرأة، وعن إطلاق القيود عليها، وهذه كلها لا معنى لها إلا بمعرفة الآخر الذي عليه مراعاة حقوقها، والآخر الذي نحوه واجباتها، والآخر الذي تتساوى معه، والآخر الذي يسلبها حريتها، والآخر الذي يقيدها. غياب تلك الأسئلة من ذهنية أي باحث في قضية المرأة يعني غياب معيارية مطردة في تحديد ما يصح وما لا يصح بالنسبة للمرأة.
ويلاحظ أن أغلب تلك الاطروحات انطلقت من اعتبار أن الحرمان والتقييد والسيطرة وتضييق الآفاق تمثل الإشكاليات الأساسية التي تعاني منها المرأة. والخلاف كان في تحديد ما ينتمي إلى تلك الأمور مما لا ينتمي. ومع أنه لا يختلف أحد على ما تفرضه تلك الأمور من معاناة على المرأة، إلا أن النظر إليها من حيث “إنها مشكلة ولا بد من حلها” أمر آخر تماماً. إننا لا نحل المشاكل منطلقين مما تقدمه من معاناة، وإنما منطلقين من فهم لما وراء تلك المعاناة من بنى وهياكل اجتماعية. إن مشكلة المرأة تتجاوز كل تلك الأمور لتصل إلى طبيعة البنية الاجتماعية، والمضمون الثقافي للمجتمع. وهذا أمر يتم التنبيه إليه ولكن لا يتم التوقف عنده وجعله محوراً بذاته. ذلك إن التعامل مع البنى التحتية أو مع المظاهر يمثل منهجين مختلفين في كثير من القضايا الاجتماعية، وطرح هذه القضية كمحور بحث مستقل ضروري إذا ما أردنا أن نقدم للمناهج المختلفة المتصورة في معالجة أمور المرأة. ويأسف المرء من أن كثيراً من الأبحاث كررت عبارات وشعارات صارت مستهلكة وتحولت إلى قضايا ثقافة عامة، في حين ابتعدت عن قضايا مركزية وجوهرية.
من الأمور المهمة أيضاً التي تظهرت في الخطاب العام هي كونها انطلقت في تحديدها لما تعانيه المرأة من خلال وعيها بما يمتاز به الرجل. وهذا الأمر بذاته يقدم مشكلة لبعض الدارسين. ذلك أنهم يرون أن أي مطالبة لحقوق المرأة بالاستناد إلى ما هو مسموح للرجل يعتبر بذاته انتهاكاً لحقوقها، وإن جعل الرجل منطلق مقارنة هو بذاته تقييد لها. إن المرأة كائن مستقل، تستحق حقوقها من ذاتها، لا من خلال ما يُمنح لغيرها. هذه الرؤية قد نتفق عليها، كما قد نختلف حولها، ولكن طرحها على بساط البحث مهم لأنها تقوم بتغيير جذري لما نراه ظلم وحرمان وتقييد وتضييق بالنسبة للمرأة. فوفق تلك الرؤية فإنه سينظر إلى ما تستحقه المرأة انطلاقاً من هويتها هي، ومن ذاتيتها هي، ومن الإمكانات الكامنة فيها هي. وهذا يعني فتح آفاق للمطالبات قد تتجاوز ما هو ممنوح للرجل نوعاً وكيفاً وكماً. إنها ستفتح آفاقاً تركز لا على ما حرمت به المرأة مما مُنِح للرجل، وإنما على ما حُرمت به مما كان يمكنها أن تتمتع به.
من القضايا الأخرى البارزة التي لا تجد الاهتمام اللائق بها هو أحد أبرز العناصر السلبية في الرؤية الاجتماعية القائمة نحو المرأة. فما يؤسف له أن كونها رمزاً أو أداة إغراء تبقى السمة الألصق بها. ومع وجود بعض التعليقات المتفرقة حول هذا الموضوع هنا وهناك، ومع انطلاق بعض كتابات وأطروحات من ذهنية ناقدة لمثل هذه الرؤية السلبية للمرأة، إلا أنه لم يتم التعامل معها كمشكلة أساسية لا بد من تجاوزها أو على الأقل إبرازها صراحة إلى ساحة البحث والحوار العام. وهذه قضية ذات أهمية بالغة، ولا تتسم بما تتسم به القضايا السابقة من صبغة فلسفية أو تجريدية.
أيضاً مما لا يتم إبرازه بالقدر الكافي هو إننا نتعامل مع مشاكل المرأة ضمن ذهنية مضمرة ترى أنه يوجد تميز واضح بين مجموعتين في المجتمع: مجموعة النساء، ومجموعة الرجال. هذه الذهنية كأنها تفترض أن كل النساء يعاملن بالطريقة نفسها، وفي المقابل كل الرجال لهم تلك الامتيازات نفسها. أو كأنها تفترض أن الكون امرأة أو الكون رجلاً يفترض ممارسات محددة، والواقع خلاف هذا. ولعل التأمل في هذا النوع من الطرح سيوصلنا إلى أنه يخلق قضية أخرى. وذلك أنها تعزز الهوية الأنثوية للمرأة لأنها المشترك الوحيد بين جميع النساء من مختلف الخلفيات والمجتمعات. وسيتم تعزيز تلك الهوية باعتبارها الهوية الأساسية التي تمتلكها المرأة، بحيث تكون هي الهوية المهيمنة هي بقية الهويات التي تكتسبها المرأة في حياتها. وإذا صارت الأنوثة هي الهوية الأساسية فإنه يؤدي إلى رفع قيمة كل ما يتعلق بها على حساب أمور أخرى. وفي تصوري هذا مما يعزز التفكير عن المرأة باعتبارها رمز إغراء.
قضية أخرى لا أرى أنها تجد الاهتمام التي تستحقه هو التمييز بين القضايا التي تعاني منها المرأة بحسب أكثر من تصنيف. هذه التصنيفات تساعدنا على تحديد القضايا التي فعلاً تختص بالمرأة من حيث هي أنثى، وتلك التي تختص بالمرأة من حيث انتمائها إلى فئات اجتماعية أخرى. وهو تحديد ذات أهمية لكل من يريد أن يخطط لعلاج مشاكل المرأة بدقة وفعالية. من هذا الأمر التمييز بين المشاكل ذات أصول ثقافية والتي تتعلق بالانطباعات المشتركة عن المرأة ودورها وما لها وما عليها، وتلك ذات الأصول التشريعية والتي تتعلق بالتكيفات الشرعية أو القانونية للقضايا التي تخص المرأة، وتلك التي تتعلق بخصائص النساء الفردية أو بشخصياتهن وخصوصاً من حيث تعاملها مع سوء المعاملة. أيضاً هناك التمييز للمشاكل وفق السلوك البارز فيها، أو وفق الدوافع خلف السلوك، أو الإطار التي وقعت فيه، أو المثير لها، أو التسويغات المقدمة، أو الوضع الاجتماعي، أو العوامل المديمة للمشكلة.
قبل الختام، تجدر الإشارة إلى أن السائد الاعتقاد أن مشاركة المرأة في أي حدث عام يعد بذاته هدف ونتيجة، وكلما كانت نسبة المشاركة مرتفعة كلما اعتبر الأمر نجاحاً وانجازاً. ولكن بالنظر فيما سبق من أسئلة يظهر أن المشاركة مهما علت نسبتها لا تعني بذاتها أي شيء. إن قيمة تلك المشاركة، وبل قيمة كل خطوة من الخطوات التي تتخذ لا يمكن تحديدها قبل البحث الجاد في مثل ما سبق من قضايا.
أخيراً، إننا نعمل كثيراً على تغيير واقع المرأة ونفكر في أساليب ذلك، ولكننا قليلاً ما نفكر في ما يجب أن نعمله عندما نريد أن نغير من واقع المرأة، ولذلك نجد أنفسنا نعالج مظاهر دون معالجة ما وراءها من بُنى. وأنا أتصور أن في البنى تكمن المشكلة حيث توجد بنية اجتماعية، وثقافة فردية واجتماعية، تدفع نحو الإساءة للأضعف واستغلالهم.
ولا يعني هذا توقف العمل على تغيير المظاهر التي تخلق حالة معاناة للمرأة، بل لأي كائن. وكثير مما هو مشاكل مرأة إنما هي مشاكل إنسان.
عبدالله حميدالدين فبراير 3rd, 2007
في مقالة اطلعت عليها هاجم الكاتب النساء اللواتي يقفن ضد دعوات تحريرهن. واعتبرهن من النساء الكارهات لأنفسهن. كارهات لأنفسهن لأنهن لا يردن ما يريده لهن من يدعو إلى تخفيف القيود عليهن، القيود التي فرضت عليهن باسم الدين، والعادات والتقاليد. وذكرني هذا بما قرأناه في التاريخ عن العبيد(عبيد الدولة أو عبيد الأفراد) الذين قاتلوا بجنب أسيادهم دفاعا عن عبوديتهم، هذا وهي عبودية واضحة وصريحة ولا لبس في الذل المرافق لها، وليس لها أي مشروعية عقلا ولا دينا ، ولكنها أيضاً كانت عبودية ترفع كثير من المسؤوليات والهموم، فالحرية تأتي معها المسؤولية.
ويا ليت أن موضوع تحرير المرأة من قيودها كان بهذا الوضوح … يا ليت أن الكل يتفق على تحديد ما هو قيد يجب فكه، وبين ما هو صون أو رعاية يحسن إبقاؤه. ولذلك في حين تجد هذا الطرف يسمي هذا قيدا لا بد من فكه، تجد في الطرف الآخر من يعتبر أن التحلل من ذلك الأمر هو قيد بنفسه.
وأياً كان الرأي الذي نميل إليه، فعلينا تجنب الأساليب الخطابية الاستثارية التي تحرك المشاعر دون أن تتفاعل مع العقول. علينا أن نعالج الموضوع وفق منهجية علمية لا نتناقض معها لنصل إلى أقرب ما يكون من الصلاح والخير للأمة.
أيضاً وبقطع النظر عن وجهتنا، فإن علينا أن نعمل معاً في فك قيد أظن أن الكل يتفق على وضعه في خانة القيود. قيد يعزز يومياً باسم التقدم وباسم الحضارة، ولكن في الواقع لا هو حضارة ولا هو تقدم، وإنما هو استغلال وانتفاع من أصحاب رؤوس أموالٍ لا هم لهم سوى زيادة إيراداتهم.
فكما نريد أن نخرج المرأة من الإطار الضيق التي تحولت فيه بظلمٍ إلى فاقدة للإرادة وإلى قاصرة تحتاج إلى ولاية… وفق رؤية ما؛ وكما نريد أن نخفف عن المرأة تبعات الحياة ومسؤولياتها، ونصونها من نظراتٍ وكلماتٍ بعيدة عن العفة… وفق رؤية أخرى؛ فإننا أيضاً نريد أن نخرجها من إطار آخر وهو أنها مقيدة الشخصية والعقل بسبب تحولها إلى رمز للإغراء.
ووفق مشاهدتي المحدودة فإن كلا التيارين وإن كانا يعملان على تحرير المرأة من كثير من قيودها، إلا أنهما يقصران في معالجة هذا القيد. فـ”تيار التحرير” يشدد على القيود التشريعية على المرأة، وربما على الحجاب وأحكامه، وعلى بعض القضايا الاجتماعية العرفية؛ والتيار المحافظ ـ إذا صح التعبير ـ يشدد على صون المرأة وحجابها، ودفع الشبهات، وإبقائها في ولاية أبيها ثم زوجها.
وقد يقول قائل: إن بعض التيار المحافظ يعالج موضوع تحول المرأة إلى رمز للإغراء من خلال تشديده على قضية الحجاب، ومن خلال تأكيده على أن السفور هو سبب أساسي لتحول المرأة إلى نحو ذلك الرمز. وفي تصوري فإن تلك المعالجة بعيدة البعد عما هو مطلوب، بل لعل معالجتهم تلهيهم عن النظر في المشكلة كما هي فعلا.
فمعالجة التيار المحافظ فيها خللٌ، وهو أنه يضع ملازمة بين السفور وبين تحول المرأة إلى رمز للاغراء. وهذه الملازمة غير صحيحة على الاطلاق. ذلك أن كون المرأة رمز للإغراء حالة ثقافية لا علاقة لها بمظهر المرأة في المجتمع، سافرة أم محجبة. ولا أشك في أن استخدام المرأة للإغراء يسهل جداً إذا كانت سافرة، ولكن يمكن أن تكون المرأة كذلك حتى لو كانت محجبة ومستورة في باطن الأرض عن أعين الرجال. فالنظرة إلى المرأة على أنها رمز للإغراء، أو أنها أولاً إغراء، ثم كل شيء يأتي بعد ذلك، حالة ثقافية لا بد من معالجتها على أنها كذلك من خلال تغيير نمط التفكير عن المرأة، لا من خلال ستر المرأة وإبعادها من أعين الرجال. وهي حالة سائدة في المجتمع العربي والغربي على السواء، وتتعزز يوما بعد يوم بفعل الدعاية التي تعكس أذواق الناس من جهة، ومن جهة أخرى تشكلها وتكيفها.
ولذلك قلت إن معالجة تحول المرأة إلى رمز للإغراء من خلال موضوع الحجاب قد يبعدنا عن حقيقة المشكلة، وقد يبقي تيار التحرير من الحجاب، وتيار ابقاء الحجاب، في حلقة بحث حول موضوع لا أقلل من أهميته، ولكنه حجمه لا يرقى إلى المشكلة التي نحن بصددها. فالخطر الأكبر بيننا اليوم ليس في السفور، كما إنه ليس في الحجاب، ولكن الخطر عندنا بقاء ذلك النمط من التفكير. وذلك لأن ذلك النمط يعطل قيمة العقل والتفكير والأخلاق لدى أهم عنصر في المجتمع، ويبرز قيمة المظهر الخارجي الأصيل منه أو المضاف(المكياج). ولنتصور تربية مجمتع ـ ذكورهم وإناثهم ـ معتمدة على أمهات من هذا النوع. ولا أقلل هنا من أهمية عناية المرأة أو حتى الرجل بمظهرهما، وإنما أقف ضد اعتبار المظهر أساساً قيمياً بذاته.
ولا شك أنه مع مواجهة ذلك النمط من التفكير، فإننا لن ننفي عن الرجل بشريته، فهو لن ينظر إلى المرأة كما ينظر إلى الرجل، وكذلك المرأة لن تنظر إلى الرجل كما تنظر إلى المرأة، ولكن فرق بين أن تتأسس العلاقات الاجتماعية بين الجنسين ضمن بيئة تعزز رمزية المرأة الإغرائية، وقيمتها من خلال جسدها، وبين أن تكون تلك العلاقات ضمن بيئة تشدد على قيمة الخلق والعقل والذات عند المرأة وعند الرجل على السواء.
ختاماً أنا أرى أن سلوك المرأة وحرية تصرفها قد قيد فعلاً وكثيراً بسبب فهم محدد لبعض النصوص، ولكنني أيضاً أرى أن عقلها يتم تقييده يومياً بقيود أخطر، وذلك من خلال التشديد على قيمة مظهرها وجسدها، وهو قيد له آثار بعيدة وخيمة.
عبدالله حميدالدين فبراير 3rd, 2007
إن الحالم هو من يستطيع أن يتعلق بحرارة، وعاطفة قوية، وينجذب بشدة، إلى واقع يتجاوز الواقع الذي هو فيه إلى واقع جديد مستبعد وفق نظرة أولية للمعطيات الموضوعية. وبذلك فالحالم حكماً لديه القدرة على رؤية النور من بين حجب الظلام التي التفت حوله بفعل عوامل مثل الجهل والفقر والظلم. وهذان الأمران ـ التعلق والرؤية ـ مما يختص بهما قلة قليلة من الناس.
والحالمون هم قادة التغيير في أي مجتمع. وأقول قادة بالمعنى الدقيق للقائد، أي من يعطي للناس أفقاً يتوجهون نحوه. وأما من يأمر وينهى، فليس بالضرورة أن يكون قائداً.
والحالمون أيضاً هم أول أتباع القادة، لأنهم يرون ما يراه القادة.
ثم بعد الحالمين فإن ما يبقى لدينا هم ((همج رعاع أتباع كل ناعق يميلون مع كل ريح لم يستضيئوا بنور العلم ولم يلجأوا إلى ركن وثيق)). وعلى يد أولئك يكون وأد الأحلام، والمفارقة أنه على يدهم أيضاً تتحقق الأحلام.
ولا بد من أن نميز بين حالم وخيالي.
الحالم هو من يحلم بعقل. والخيالي من يحلم بلا عقل.
إن الصفة الأساسية للحالم قدرته على التعلق العاطفي بواقع غير واقعه..
والـمُتعلَّـق به هو ما يميز الحالم عن الخيالي.
فالحالم يتعلق بالواقع الذي يلي واقعه بخطوة او خطوات.
ولذلك فالحالم يكون قائداً لأنه يستطيع أن ينقل غيره من الناس من واقعهم إلى الواقع الجديد من خلال قناة الإيحاء العاطفي، والاقناع العقلي. والنقلة هذه غير ممكنة إلا إذا كان الواقع المراد نقل الناس إليه قريب من الواقع الذي هم فيه.
ولذلك فإن من يغير الواقع هم الحالمون وليس الخياليون. لأن الأول يحلم بالمستبعد ولكن الممكن. وأما الخيالي فيحلم بالمستحيل ضمن الظروف الموضوعية القائمة.
ونخطيء لما نظن أن شرط الحالم أن يتعلق بما لا يمكن.
الحلم لا بد من أن يتجاوز الواقع، ولا بد من أن يتحداه، ولكن الحلم يتجاوز الواقع إلى الواقع الذي بعده، إلى المرحلة التي تلي هذا الواقع، وأما الخيال فيقفز مراحل بعد الواقع التالي.
فالحالم له قدرة النفاذ إلى المستقبل، والتعلق به. والحالم العاقل يستطيع أن يحدد النقطة التي يقف عندها ويتعلق.
وخيرهم من يجمع بين الخيال والحلم.
فيكون له خيال، ويكون له حلم. خيال بواقع يتجاوز كل الممكنات، ولكن عمل لتحقيق الحلم، مع تحين الفرص التي قد تأتي لتنقل الخيال من المستحيل إلى المتناول.
ثم إن الحالمين أنواع: فهناك من يحلم فحسب، وهناك من يحقق حلمه.
وتحقيق الحلم من أصعب الأمور. ليس فقط للتحديات الموضوعية أما الحالم، وإنما لأن عملية تنزيل الحلم نفسها تحتاج إلى توازن دقيق بين الحلم وبين الممكن الموضوعي.
فالحالم يجب أن يفكر متجاوزاً إمكانياته ومتجاهلاً تحديات ظرفه. وأما التنزيل فيتطلب معرفة الممكن والظرف والواقع ومراعتها جميعا.
وفقدان الحلم فقدان الدافع لتجاوز الواقع. وفقدان معرفة الممكن يؤدي الى فقدان القدرة على تجاوز الواقع.
ثم إن الحالم لا ينتظر التغيير ولكنه يصنعه. ولذلك لا يوجد في قاموس الحالم كثير من العبارات التي تشيع بين مجتمعه، نحو ((الضوء قادم لا محالة)) ، أو ((لا يصح إلا الصحيح)) الحالم واقعي، ويعلم أن الضوء لن يقدم، وأنه لن يصح الصحيح. ويعلم أن قوى الظلام وقوى الشر تعمل ضد هذا، وإذن فهو يؤمن أن عليه هو أن يأتي بالضوء، ويرى أن الصحيح لا يصح، وإنما يصحح.
ولذلك فأول شرط الحالم، الحالم الحقيقي هو أن يؤمن بنفسه. أن يؤمن بما آتاه الله من قدرة على الخلق والإبداع والتغيير. أن يؤمن بأن النفخة الإلهية إنما هي الإرادة والقدرة على الفعل والخلق والإبداع والتغيير.
وبغير هذا الأخير يبقى الحلم مجرد عبارات شعرية لا مضمون وراءها.
عبدالله حميدالدين فبراير 3rd, 2007
ليس خافياً ما تعانيه أمتنا. فقد سادنا الفقر، والجهل، والظلم، والاستبداد. وقد تخلينا عن الفعل واستسلمنا للانفعال. ثم أصبحنا نقتات على فضلات خصومنا وأعدائنا. وفقدنا مع كل ذلك أسباب الحياة، والتأثير على مصيرنا فضلا عن مصير غيرنا. كما صرنا نمارس أخلاق الكذب والنفاق والخيانة والحسد والبغضاء. لقد تخلفت أمتنا عن حركة الإنسانية نحو النمو الاقتصادي، والرفاه المادي، والقيم الاجتماعية، والنظام السياسي العادل والمعبر عن إرادة شعوبها. ونحن نصبح ونمسي حالمين بحياة كريمة حرة، بحرية القول والتفكير، بالمساواة أمام القانون، بحق الحماية المشترك، بحق المشاركة في القرارات التي تؤثر على حياتنا وحياة من نعول، بحق امتلاك مستوى معيشة لائق صحياً وغذائياً وملبساً ومسكناً، بحق التعلم. نعم!! لا زلنا نحلم بكل ذلك، إلا قلة قليلة. هذا كله في حين أن المسافة بيننا وبين الغرب في ازدياد متواصل. وفي مواجهتنا معه خلال الـ200 سنة على التي مضت فإنه لم يزدد إلا قوة، ولم نزدد إلا ضعفاً. ويزداد المرء منا حسرةً لما يدرك حجم الدور الذي قمنا به نحن في خدمة الإمبريالية، وفي تدمير بنيتنا الأخلاقية والاجتماعية والاقتصادية والسياسية.
إننا اليوم، وكما كنا بالأمس، وكما يشعر كل واحد منا، بحاجة إلى أن نتحرك إلى الأمام، غير مغترين بمظاهر الحضارة لدينا، حيث إنها مظاهر تتحرك نحونا، ولكننا لا نتحرك نحوها، أو نحو الأسس التي تنشئها. نحن نستقبل العصر، ولكن لا نتقدم إليه. ولذلك نجد إننا تلفيقيون في حلولنا، وغاية ما نطمح إليه في كل مرحلة مختلفة إنما هو من جهة التكيف نفسياً وفكرياً مع هذا المارد القادم الذي لا ينتظر إذناً ليقتحم حياتنا، ويسيطر على جميع مناحيها؛ ومن جهة أخرى حسن تطبيق نتائج تجربته السياسية والاقتصادية والاجتماعية. ولكننا كثيراً ما نغفل عن الأسس الفكرية التي أنشأت الحركة الحضارية للمجتمع الغربي.
لقد عاش الغرب التخلف قروناً من الزمان، ثم لما تخلص مما كان يكبل حركته، أنتج حضارة متلائمة مع هويته، وظروفه التاريخية. ونحن اليوم إنما يجب أن نشدد على التخلص مما يكبل حركتنا، لنتحرك وفق هويتنا الخاصة، وظروفنا التاريخية المختلفة لننتج واقعنا المتقدم المتناسب معهما. هذا الواقع الذي سنصل إليه قد يشابه ما وصل إليه الغرب، وقد يختلف عنه، ولكنه في نهاية الأمر سيكون واقعاً نملكه نحن، سيكون واقعاً مستمداً أساساً من حركتنا، وفي الوقت نفسه يقدم لنا ما نريده لأنفسنا ولمن يلينا من الأجيال. ولا يعني هذا عدم الاستفادة من بعض أو كل ما أنتجته الحضارة الغربية من أدوات سياسية واجتماعية واقتصادية وغيرها، ولكن لتكن استفادة من يتحرك، وليست استفادة من يستقبل؛ استفادة مجتمع وجدت لديه تلك الروح المحركة نفسها التي وجدت لدى الغرب حين انطلق، تلك الروح التي منحته أسس الفاعلية، وأزالت من فوقه مسببات الانفعالية. تلك الروح التي تشكل أرضية لا غنى عنها لنجاح جميع المشاريع الاجتماعية والاقتصادية والسياسية. فالخطوة التي يجب أن تتقدم استيراد المنتجات الحضارية هي خلق الروح المحركة لمجتمعنا.
ولكن لما كانت تلك الروح تستمد وجودها بل وأيضاً فنائها من طبيعة الثقافة السائدة، فلا بد لنا أولاً وقبل شيء، النظر في هذه الثقافة وما تقدمه لنا من عناصر محركة، أو مثبطة، لنعزز من الأولى، ونتخلص من الثانية. والثقافة السائدة قد تكون دينية مستمدة من فهمنا النصوص الدينية، كما قد تكون غير ذلك مستمدة من تجربة المجتمع، وتأملاته الخاصة. ولكل منهما تأثيره على حركة المجتمع، ولكن يبقى للعناصر الدينية التأثير الأكبر، والأقوى. هذه الميزة في التأثير مستمدة من حيث أنها تمتلك قداسة تعطي فكرتها أثراً مضاعفاً سلباً أو إيجاباً، هذا من جهة. ومن جهة أخرى لكونها تقدم للإنسان رؤية للعالم ولدوره فيه، ولهذه الرؤية دور كبير وأساسي في أي حركة حضارية.
ووفق ما سبق فالمطلب الأول لخلق الروح المحركة هو النظر في فهمنا للنصوص الدينية، وما في ذلك الفهم من عناصر مثبطة أو معززة في هذا المجال. وما يؤسف له أنه وجدت ضمن مفاهيمنا الدينية مجموعة من المثبطات الحضارية التي كان لها دور حاسم في الحد من طبيعة حركتنا الحضارية. بعض هذه المفاهيم لم يعد لها حضور في الثقافة الدينية العامة، وأخرى بقيت محافظة على موقعها ودورها في تشكيل الواقع اليومي للمسلمين إلى اليوم. ولا مناص لنا إذا ما أردنا التقدم أن نبدأ بها، تقييماً وتصحيحاً، لأنه بغير ذلك، فسيبقى وجودها معيقاً لجميع الخطوات التي نحاولها خروجاً من محنتنا.
ومثالاً لهذا النوع من المفاهيم ستتم الإشارة إلى بعضها مع ذكر آثارها السلبية؛ هذه المفاهيم هي ما يتعلق بـ:
1.التقليد: ويقصد به تقليد الرموز في القضايا الدينية الأساسية التي تتعلق بإيماننا بالله وعلاقتنا به جل وعلا، وفي تحديد المصالح والمفاسد. ويمكن اعتباره أول وأبرز آثار إبعاد العقل. فهو أساساً العمل وفق تفكير عقل الغير، ولذلك يقضي ابتداء على ميزة أساسية لدى الفرد، هي عقله المستقل. إضافة إلى ذلك فإن التقليد يولد مجموعة أخرى من المشاكل، منها:
1.أن خطاب الله تعالى الموجّه إلى العباد جميعاً، يصير من الناحية الفعلية موجَّهاً إلى أهل العلم فقط، ومن ثَمَّ منهم إلى غيرهم من الأمة، أي يكون خطاب العامة آتياً من العلماء وليس من الله تعالى مباشرة.
2.يؤدي إلى تعطيل التفكير في أهم قضية من قضايا الحياة الإنسانية، أي قضية الله التي تعطي الحياة كلها معنى وروحاً.
3.يؤدي إلى تسويغ تسليم التفكير للغير حتى في القضايا غير الدينية.
4.أدَّى إلى وجود شيء من الكهنوت في المجتمع المسلم حيث حصرت أمور التشريع والإرشاد الروحي بطبقة محددة. في حين تلك الأمور تستند إلى العلم، وليس إلى انتماء ما.
5.أفقد الأمة الجرأة على التفكير المستقل، وهذا أدى إلى ضعف العقل وتناقص قدراته الإبداعية.
6.يضاف على ذلك أنه أضعف حرارة تأثير الإيمان. فإن تأثير الفكرة التي تؤخذ إيماناً بعد فكر ونظر أشد من الفكرة التي تؤخذ تقليداً. فَرْقٌ بين فكرة تؤخذ بعدما يتم معالجتها في العقل والقلب، ثم الاقتناع بها، وبين فكرة تأتي جاهزة، قد فكَّر فيها آخر، وأعمل عقله فيها، ثم لقَّنها غيره طالباً منه التسليم بها وأن يعمل في حياته وفقاً لها.
2. عدم وضوح معيار الفضل: معيار الفضل هو من القضايا الأخلاقية الأساسية التي لا بد لها من أن تتضح للمجتمع، بحيث يكون واضحاً لديه، من يستحق الفضل، ومن لا يستحقه، ومن يستحق الذم. ولكن في الثقافة الإسلامية التقليدية تم تعويم هذا المفهوم من خلال أمرين أحدهما كان أسوأ من الآخر:
الأول: تقليل الاعتماد على معيار الأعمال في تحديد الفضل، مقابل التركيز على ما حددته النصوص. وبالتالي أصبح الفضل كما لو كان أمراً غيبياً لا ضابط مطرد له ولا معيار واضح ودائم. فقد يكون شخص قد تقدم على جميع أقرانه في كل ما يفضل به المرء، ومع ذلك يظل دونهم، وأقل منهم في نظر من اعتمد على النصوص.
الثاني: وهو الأسوأ، وذلك عندما وجدنا أناساً ساءت أعمالهم يصنفون على أنهم خير من أناس حسنت أعمالهم. يتجلى هذا في الثقافة التي جعلت من بعض جبابرة هذه الأمة وفساقها معاوية بن أبي سفيان ومن على شاكلته خيراً من العباد الزهاد العلماء من بعده. وإذا كان الأمر الأول يميِّع مفهوم الفضل، فإن هذا الثاني يضيِّعه تماماً.
2.الجبر: توجد قناعة تامة في أعماق عقل كل مسلم متدين ذي ثقافة دينية أولية بأن الأمور المستقبلة قد رسمت وحسمت. وليس للاختيار الإنساني معنى سوى أننا لا نعلم ذلك المستقبل. هذا المعنى للاختيار غير معقول، ويربك التفكير المنطقي بشكل كبير. ويتحسر المرء لما ينظر إلى الجهود الكبيرة التي بذلها عباقرة من الفرق الكلامية في إضفاء معقولية على هذا المعنى.
إضافة إلى ذلك فإن هذا الأمر يضعف الفاعلية بشكل كبير. فالإنسان يتحرك من خلال أمرين:
رغبة في خلق مستقبل يرسمه هو لنفسه.
أو انفعال من واقع يسعى لأن يهدد وجوده أو مصالحه بنحو من الأنحاء.
الجبر قضى على الأول بشكل كبير، ولكنه لم يقض على الثاني لسبب بسيط، وهو أن حاجة الإنسان للحياة أقوى من تلك الفكرة. فحين يُهدَّد الإنسان فإنه ينفعل، ويتحرك وفق ذلك الانفعال إلى أن يحقق الأمان له، ثم تضعف العزيمة لديه بقدر ما ترسخت عقيدة الجبر فيه.
الأثر الآخر الخطير من آثار هذه الفكرة كما هي شائعة، هو رفع المسؤولية التامة عن الفرد. فالعقيدة هذه تشرك الله مع الإنسان في كل ما يحصل له من أمور غير مرغوبة. في حين أن المفروض أن المسؤولية توقع حصراً على الإنسان بحيث تخلق فيه مرارة الفشل والتي هي دافع هام للتطور والتحسن في الأداء.
والجبر له صور متعددة ولكنها جميعاً قد تأسست على فكرة واحدة هي: (أن الله تعالى يخلق جميع أفعال عباده) بمعنى أن كل فكرة نحركها في عقولنا وكل عزم نعزم عليه وكل قصد وكل حركة وكل فعل نقوم به… إلخ فإن الله تعالى هو الذي يخلقها فينا.
4. العزل بين النتائج وأسبابها: من آثار الجبر قطع العلاقة بين الأسباب ونتائجها، بحيث يكون كل منهما معزولاً عن الآخر، فمن أصعب الأمور أن يقنع عامة الناس أن أفعالهم مخلوقة لله تعالى، حيث أن هذه الفكرة تتنافى مع الشعور الوجداني للإنسان الذي يشعر أنه إذا أراد فعل، وإذا لم يرد لم يفعل، كما أنه يؤدي إلى نفي المسؤلية رأساً، ويصعب أن يجعل أمراً كهذا ثقافة اجتماعية ولكن شاع بديلاً عنه يعمل على الفصل التام بين أفعال الناس وبين نتائج تلك الأفعال، بحيث يطلب من الإنسان أن يعمل وأن يتحمل مسؤلية عمله؛ ولكن في الوقت نفسه تعتبر نتائج أعماله بيده وإنما هي بيد الله تعالى، كما قيل:
على المرء أن يسعى إلى الخير جهده
وليس عليه أن تتم المطالب
هذه الفكرة حاولت أن تخفف من الآثار السلبية لمقولة (أن أفعال العباد مخلوقة لله تعالى) ولكنها تنطوي على المشكلات ذاتها التي تنطوي عليها تلك المقولة إضافة إلى جملة من التناقضات الأخرى. لقد صار شائعاً أن كلما هو مطلوب من الفرد هو أن يسعى ويعمل، وأما النتائج فأمرها إلى الله جل شأنه. وكم نسمع: (علينا العمل والنتائج على الله). لقد نتج عن هذا نفي شفافية الأسباب، وعزلها عن التأثير وقطع ما بينها وبين نتائجها من روابط وشيجة.
لقد أصبح المسلم يطلب السبب ولكنه لا يتوقع يقيناً النتيجة في حين أن كل شيء يمكن فعله عبر أكثر من طريق، وكل طريق مكون من مجموعة من الأسباب، فلو عرفت الطرق المتعددة وتم اختيار أحدها ومن ثم حصرت الأسباب للطريق المختار، وكان للفعل ظروفه الملائمة، وتم رعاية العقبات والموانع والأفعال التي لا يمكن السيطرة عليها، سواءً كانت أفعالاً إنسانية أو طبيعية…إلخ، فإنه لابد من أن تثمر نتائج بشكل حتمي.
فإذا لم يتحقق ما نريده فمعنا ذلك أننا لم نقم بما يجب القيام به، أو لم يتتوفر لنا الظروف الملائمة أو تدخلت أطراف أخرى بشكل غير مناسب…إلخ.
بمعنى آخر أننا نقف على حافة وتقف النتائج التي نريدها على حافة أخرى، ولابد لنا من أن نبني جسراً بيننا وبين النتائج التي نريدها، وشكل الجسر يختلف باختلاف الظروف التي نحن فيها،ولكن لابد من التجسير.
عدم تحقيق النتائج يعني أن بناء الجسر لم يكتمل لسببٍ أو لآخر، وعندما نستعين بالله فعلينا أن نستعين به على إكمال الجسر، وليس على القفز من حافة إلى أخرى، وعندما نطلب منه تعالى أن لا يخذلنا وأن لا يقف بيننا وبين ما نرومه فإننا نطلب منه أن لا يمنعنا من إكمال الجسر، وكما يمكن أن نتصور أن يمنعنا فرد من الناس في عمل ما، وكما يمكن أن نتصور أن يعيننا شخص ما على أمرٍ ما، كل ذلك بدون أن يعني أننا مجبرون، أو أنهم خلقوا أفعالهم، فلله تعالى طرقه في التدخل بدون أن يكون هو الخالق لأفعالنا والمجبر عليها.
إن نفي خلق أفعال العباد هو نفي للجبر، وليس نفي لتدخل الله تعالى في أفعالنا تأييداً أو منعاً.
5. التجسيم والتشبيه: الثقافة الشائعة اليوم بين المسلمين ثقافة تجسيمية تشبيهية إلى حد كبير. توصف الله تعالى بصفات خلقه، وتشبه الله جل وعلا بالبشر. فضلا عن سوء هذا من حيث إنه ينسب لله تعالى ما لا يليق به، فإن له أثراً دقيقاً على الوعي الجمعي للأمة. فالفكر المجسم المشبه يوجب علينا أن نؤلِّه من هو مثلنا، ونحن مثله، ولكن له الألوهية لأنه “أكثر” منا في تلك الصفات. وبالتالي فإن استحقاق التأليه إنما ارتكز على الفرق في الـ”كم” بيننا وبين المعبود. في حين أن الفكر المنزه لله عن التجسيم والتشبيه يؤسس استحقاق الألوهية على أساس الفرق النوعي والكيفي إضافة إلى الفرق الكمي.
إن الارتكاز على الفرق الكمي فقط في استحقاق الألوهية يؤدي إلى خلق آلهة صغيرة في المجتمع، حيث إن كل من تقدم كماً في صفة من الصفات، استحق نوعاً من الخضوع والتعظيم بقدر ذلك التقدم. في حين الاستناد إلى التفوق الكيفي والكمي يؤدي إلى حصر الألوهية في الله تعالى الذي ليس كمثله شيء.
6. اهتزاز الثقة بالله: إن الله تعالى في الفكر السائد قد يعذب من لا ذنب له. وقد يمكر بالعبد في آخر حياته فَيُزِلُّه بعد طول صلاح ليدخله النار. ومن يطع الله لا يحق له أن يقول: إنه سيدخل الجنة قطعاً ما دام مطيعاً، وإنما هو على الرجاء حتى لو مات مطيعاً. والله تعالى يأمر وينهى ويمدح ويذم عباداً لا فعل لهم ولا عمل على الحقيقة، ذلك أن الله هو خالق أفعالهم، ومقدر جميع أعمالهم. ويجوز أن يدخل الله تعالى الجنة من لم يطع الله لحظة، وأن يدخل النار أصلح عباده. إن نحو تلك الأمور تفقد العبد ثقته بالله تعالى. فمع كل ما وعد الله وأوعد يبقى الإنسان قلقاً مضطرباً، غير واثق من مآل الأمور. ويصير المرء عابداً لإله تُفقد معه كل المعايير الأخلاقية التي من خلالها يؤسس الإنسان علاقاته بالغير. إنه إله لا يمكن للعباد أن يثقوا بمآل أمورهم في ظله. إضافة إلى هذا الأثر الخطير، فإن الثقة بين الناس تفقد. فإذا كنا لا نثق بمآل أمورنا مع الله، وهو أحكم الحاكمين، وأصدق الصادقين، بعدما أوعد ووعد، فكيف نثق بمن دونه من الخلق مهما وعدوا وأوعدوا؟
7. تعطيل الثقة بالمشاهدة الحسية: إن ما يشاهده المرء لا يفسره الفكر السائد دوماً على ظاهره. ولعل أدق مثل على هذا إيمان ذلك الفكر بأن الله هو خالق أفعالنا. فالمشاهدة الذاتية الوجدانية، وهي أكثر المشاهدات شدة وقوة، تفيد أن الإنسان هو موجد فعله باستقلال. في حين أن الثقافة السائدة تملي عليه أن لا يثق بهذه المشاهدة، وأن ينفيها ويقر بأن الفعل مخلوق من غيره، وأن ذلك الشعور بالحرية المطلقة إنما هو مجرد شعور لا واقع له. وأما الواقع فهو أن الله هو خالق وفاعل جميع ما يصدر عنه.
مثال آخر يتعلق بالحسد، حيث أن المشاهدة تنفي وجود أي ارتباط بين العين وبين الواقع المادي من حولنا، في حين أننا نخالف ذلك معوِّلين على نصوص لم تبلغ من القوة درجة يمكن الاعتماد عليها.
8. تشويه مفهوم الوعيد: حيث أن العاصي والظالم المتمرد يمكن أن يدخل الجنة برحمة الله تعالى حتى لو لم يتب، ومات مصراً غير نادمٍ على جرائمه ومظالمه ومعاصيه.
9. تشويه مفهوم القيادة السياسية: حيث صار يمكن للظالم العاتي الجبار أن يكسب الشرعية ووجوب الطاعة والولاية إذا ما وضع يده على مقاليد الحكم. ثم يتحول السلطان من خادم لمصالح الأمة، يتولى أمورها لها، إلى حاكم يطاع لذاته ولمنصبه بقطع النظر عن ممارسته. وهذا الأمر قد ينتج أمراً آخر ذا أهمية، وهو أن المنصب يصير سبب استحقاق الولاء، فكل من جلس على الكرسي وجب له ذلك، بدلا من أن تكون الكفاءة والعمل هما سبب استحقاق الولاء ومن ثم المنصب.
10. تغير دور الفرد في الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر: من المفاهيم التي كان لها أثر على العلاقات الاجتماعية هو الفهم حول دور الفرد في الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر. ففي حين أن الدور هذا يجب أن يمارس أساساً بشكل رأسي بين الفرد والدولة، وبشكل ثانوي بين الأفراد في نطاقات محدودة، فإنه صار يمارس حصراً بشكل أفقي بين أفراد المجتمع. وهذه الممارسة الأفقية غير مجدية في أغلب الأحوال. فالأمر والنهي بين الأنداد مستصعب، وإن وقع فإنه يخلق شعوراً بالمرارة وبالتعدي، كما أنه يفتت المجتمع، وَيحوِّله إلى جيوب من المؤمنين الآمرين، وأخرى من الفاسقين المنهيين. في حين أن الأصل أن يكون نحو الدولة لإصلاحها إذا ما فسدت، ثم تقوم هي بواجبها على الأفراد، وهو أمر لا يجد الناس منه غضاضة، حتى وإن كان غير محبوب لديهم.
11. الإيمان بقوى غيبية غير قوة الله تعالى: وذلك نحو ما يمنح لإبليس وأعوانه من الجن عليهم لعنة الله من قوى خارقة نحو القدرة على النفاذ إلى قلب الإنسان، والقدرة على التأثير على إدراكه، والقدرة على الوصول للجنين، وغير ذلك من القدرات الشائعة. ومن هذا ما ينسب للعين الحاسدة من قدرات.
12. اختلاط الأوليات: لقد اعتبرت قضية الدولة فرعية، في حين أنها القضية العملية الكبرى في حياة الإنسان، وجعلت هي ومئات من الأحكام الفقهية بمستوى واحد، فصارت القضايا الفردية تحتل الأهمية نفسها للقضايا الاجتماعية، وصار المتدين يغار ويسخط لـمَّا يرى مخالفات ذات سمة فردية شخصية، أكثر مما يسخط لـمَّا يرى أو يسمع بمخالفات تطال الشأن العام. مثال ذلك رد فعل أغلب المتدينين عند رؤية امرأة سافرة عن شعرها، أو كاشفة لبعض جسدها، مقابل ردود أفعالهم من منظر طفل يمدُّ يده للناس.
وتوجد مجموعة أخرى من المفاهيم التي يمكن أن تذكر في هذا المجال، وما ذكرت ما سبق إلا تمثيلاً.
ولكن بالرغم من أثارها السلبية، بل وآثار غيرها من المفاهيم غير الدينية، فإن إعادة النظر بها يصطدم بمجموعة من العوائق، لعل أبرزهما: عدم الاهتمام بإبراز العلاقة المباشرة بين نحو تلك المفاهيم وبين الواقع الحضاري الذي نحن فيه. وثانياً طبيعة مقاومة المجتمع للتغيير في قيمه وثقافاته المتأصلة. وبسبب ذلك الأمران فلا يُرى أمل حقيقي بالتغيير ما لم يتم اتخاذ قرار سياسي يدفع البلاد جميعها، بكل مواردها وإمكانياتها نحو المراجعة والتغيير والتجديد. فطبيعة التغيير المطلوب يتطلب تجاوزاً للواقع، والدولة هي الأكثر قدرة على دعم هذا التجاوز لما لها من موارد. والمثل القائل: اتسع الخرق على الراتق، هو خير ما يصف حال اليوم. فالمفكر يحاول أن يرتق هنا وهناك، ولكن الخرق يتسع يوماً بعد يوم، وبتسارع يفوق سرعته. إضافة إلى هذا فإنه لكل راتق يوجد ألف خارق. وهذا بطبيعة الحال يتطلب قيادات سياسية قادرة على تقييم أهمية مثل هذه القرارات. قيادات سياسية قادرة على توجيه الأمة وليس مجرد ضبطها. قيادات سياسية تمتلك الرؤية التاريخية والفلسفية التي تؤهلها لاتخاذ مثل هذا القرار. وأهم من كل ذلك، قيادات سياسية تفتح المجال للحركة ولكن بغير أن تحدد وجهتها.
وما لم يتم مثل هذا، فإن عوامل التخلف المتأصلة المتزامنة مع هيمنة غربية متزايدة ستزيد من الاحتقان الموجود في المجتمعات، مما قد يؤدي إلى انفجاره. ولعل التزايد المتدرج في نشاط الحركات الصوفية في العالم الاسلامي يأتي في سياق تجنب تلك النتيجة.
ولكن بالرغم من عدم وجود القرار السياسي، فإن طرح البدائل، والسعي إلى فتح الحوار حولها، وإيجاد من يتبناها أمر لازم. ذلك أنه مع استمرار الحال كما هي اليوم فإن عاصفة التغيير ستأتي، والأحداث السياسية الأخيرة في العالم مؤشر على أنها لن تكون بعيدة. وعند ذاك فإما نكون جاهزين برؤية مستقبلية مؤسسة على طرح ثقافي متقدم، وإلا فإننا سندمر. والدمار الذي يخشى منه ليس الدمار العسكري، أو السياسي، فإن الشعوب لا تنتهي بذاك، ولكن يخشى من الدمار الثقافي حيث نتحرك في الحياة وفق ثقافة غريبة كل الغربة عن جميع معتقداتنا التي نؤمن بها.